فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 1574

رمت العصا التي تتعكز عليها، الآن ستمرح بعد أن تغيّر كل شيء داخلها. تخلصت من الدخان الأسود الذي غطى الرئتين. ستجرب الخروج ومدى قوتها وقدرتها. تسمع وقع قطرات المطر، تضرب بعض حباته يدها الممدودة ضربات خفيفة. تصعد الدرج، واجهتها الرياح التي تلملم قوتها وتعصف، تبعثر القطرات في حركة راعفة راقصة. الطيور هاربة من برد هذا اليوم وأمطاره. راقبت حركتها تأكدت أنها ذاهبة للقاء الشمس في مكان آخر وفي زمن آخر. رفعت يديها إلى السماء وهتفت:"ما أكرمك أيتها السماء! كنت بحاجة إلى مائك منذ سنة، وها أنت غسلت كل شيء."

لكل شيء في هذه الحياة وقع وإيقاع، الزمن المر، الموت، الحياة. تنظر إلى الأعلى، تغازل الأمطار والغيوم التي تتسابق في الجو وترطب وجه السماء، كل ما فيها فرح. لقد قرر الزمن أن يمضي، عليها أن تصعد في إحدى المقطورات، وتنتقل من واحدة إلى أخرى حتى تصل إلى القيادة. عليها أن تقود قطار الزمن. المذياع ينقل صوت أم كلثوم «القلب يعشق كل جميل» . ترفع صوتها مع الأغنية وهي تتساءل: «ماذا بقي من العمر؟»

كانت قد نسيت الزمن والأوقات والأيام، الشيء الذي تحسُّ به تقلب الطقس، دون أن تعرف سبب ذلك ولماذا حصل؟ كل أوقاتها ظلام، العتمة تستر المكان وتغلف عينيها غير قادرة على النهوض إلا بمساعدة عصا. تذهب إلى دورة المياه وتعود. الليل كعادته مليء بالمعاصي، لكنها باتت تدرك بحسها العفوي الطبيعي، بأن الذين يعصون في النهار هم الأقوى. خطيئة الليل ربما موعد غرام لقلوب تنبض بالحياة وتطمح للتجديد. استنهضت ذاتها وشدت من عزيمتها، لن تعود إلى الصمت ثانية، ولن ترهب الموت ولا أي أحد، منذ هذه اللحظة ستجلس فوق قاسيون تراقب الريح والمطر، تحصن نفسها وتنتظر مرور الأشرار لتقول لكل منهم إنه مخطئ. ستظل تحمل الشمعة أنى ذهبت، يتراقص ظلها على الضوء وهي سعيدة، في صدرها من يخبرها أن من يحمل النور يصعب عليه أن يحمل الظلمة والظلم.

نظرت إلى ساعتها إنها الساعة الثانية، الوقت قبيل العصر، السحب ما زالت تتلاقح، تتبرج دون أن تتخلى عن قطرة، الغمائم مغردة ومشرقة، حركاتها بهلوانية تدفع دموعها إلى الأرض، وتخلص السماء من الغبار. الريح تداعب الأشجار، تصفر وهي مصرة أن تخرج، إنها تعرف المدينة شبرًا شبرًا، ستعود إلى مدينتها التي يغسلها الحب والمطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت