عاد حامد وفرات وهما مصممان ألا يتركاها وحيدة، يتداورا النوم عندها، يخدماها وإذا احتاجت إلى إسعاف أو نقل للمشفى تنقل. طوال الطريق يحسبان ألف حساب، هل ما زالت على قيد الحياة؟ أين يضعانها إذا توفيت وفي أية مقبرة يدفنانها، اقتربا من البيت، شاهداها وهي تقف على الرصيف تحت الأمطار، تساءل حامد: أيعقل أن تكون هلا؟
أجابت فرات: تركناها تحتضر! ربما امرأة تشبهها!
-يصعب أن نجد امرأة تشبهها! إنها هلا، إنها تركض اتجاهنا وتنادينا!
ركضت كالظبية، أخذتهما بالأحضان وهي ترحب:
-هيا تفضلا لقد وفرتما عليّ مشوارًا إليكما، ستسهران الليلة معي حتى الفجر.
سارا خلفها غير مصدقين ما يحدث، أهي معجزة أم ماذا؟ فرات تهلل فرحة، تردد كلمات وآيات دالة على قدرة الله، دخلا إلى بيتها، إنه نظيف ومرتب والمطبخ مليء بالخضار والفواكه.
-كنا ندعو الله أن ينجيك من الموت.
قالت فرات وهي تحدق إلى صديقتها. نظرت هلا إلى صديقيها وأخبرتهما:
-خسىء الموت! هذا المطر جاء ليعيدني إلى الحياة من جديد، منذ الغد سنذهب سويًا إلى المدرسة، لقد اشتقت للتلميذات، اشتقت للشوارع، للهواء، لكل شيء.
-كنا نبحث في أمر بقاء أحدنا هنا ليرعاك!
أجابت حامد:
-وأنا أيضًا بحثت في هذا، دفنت الحزن، أنا اليوم أقوى من أي وقت مضى، وسترى يا صديقي الذي لن أنساك طوال عمري، لن أنسى مساعدتك الرائعة.
نظرت إلى فرات وتابعت:"كفانا مجاملات، هيا معي لتحضير المائدة."
شدتها من يدها وهي تشير إلى المطبخ. بينما طلبت إلى حامد أن يحضر موقد الفحم لشيّ اللحم. اختلط ضحكهم ومرحهم بدوي إطلاق الرصاص في الخارج، ركضتا إلى حامد وتكومتا بجانبه، سألتاه: ما هذا؟
قال وهو يمازحهما: ثمة في الخارج من يحتفل معنا! سأخرج وأرى ما حدث!
وضع كل منهم يده على قلبه. حاولتا منعه من الخروج. لم يقتنع بكلامهما، بل فتح الباب بحذر وصعد الدرج. غير بعيد عن باب القبو رجل ممدد على الأرض والدماء تنزف. اقترب منه ودقق النظر إلى وجهه، إنه الصلصال! شهق من هول المفاجأة، ما الذي جاء بالصلصال إلى هنا؟ أجاء يلاحق هلا أم هي المصادفة؟ سأل الموجودين عن الحادث، أحدهم قال:
-رأيت اثنين أطلقا النار عليه من سيارة مسرعة.
-ألم تأخذ رقم السيارة؟
-حصل ذلك خلال ثوان.