فهرس الكتاب
سأله سليم الدوري:
-ما فائدة اتساع الكون يا رفيق، إذا كان العالم يبدأ من هذا المعتقل وينتهي فيه ؟!
شعر أن الكون ضار بحجم الغرفة، وإن الأيدي التي ترتفع في المظاهرات، ماهي إلا علامات فرح باهت، وربما هي التي تطوقه. اعتدل المدرس علوان في قعدته وردد وهو ينظر إلى سقف البركس:
-هل لنا برج في هذا الكون ؟
ضحك شيخ البركس الذي انتابته حالة وجد، إذ تذكر برجه وواقعه، فأحب أن يدلي بدلوه، وها هو يطالب بمركبة فضائية قادرة على ثقب الكون ونقلهم خارجه، ما دام هذا العالم غير معترف لهم بوطن:
-أريد مركبة تخترق الكون وتنقلنا بعيدًا عنه، وهناك نبني دولتنا !
"عظيم ... عظيم جدًا"رد عليه سليم وهو يقهقه ويتمايل فلم يعد يتمالك نفسه من شدة الضحك، وكأنه وجدها واحدة للتنذر منه، فعلق:
-أيها الشيخ الوقور مع احترامي الشديد لك، أي مركبة تخترق الكون لم تصنع، ولن تصنع، فأي واحدة ستكون ضمن هذا الكون وليس خارجه، وما حاجتك لبناء دولة .... آه، أيها اللعين تتيمم وأنت على بعد أمتار من نهر الأردن، هذا أنت تريد بناء دولة خارج الزمان والمكان وتترك فلسطين لأبناء الكلبة. لماذا لا تقدم هذا اقتراحًا مكتوبًا إلى إدارة السجن ليفكوا وثاقك !؟
علق المدرس علوان مبتسمًا:
-وحد الله ياسليم، الرجل لم يقصد هذا التفسير، فهل للكون خارج حتى تجدها قصية تستحق التعليق ؟
قام سليم وقد استبدت به روح التحدي والفكاهة وهو يرتدي منامته القصيرة التي تصل إلى الركبة، بعد أن تمزق نصفها السفلي وتهرّأت جوانبها، فبان أسفل بطنه، ضحكوا، إلا أنه سخر منهم بقوله:
-اضحكوا كما شئتم فأنا ألبس زي أجدادي !
نظر إليه شيخ البركس وبصق على الأرض:
-أجدادك كانوا يعرفون الذوق والخجل والخوف من الله، استر جسدك ولا تتشبه بهم أيها الزنديق!
-طيب يامحترم، أنا زنديق !
إنك لا تعرف عن تاريخك سوى صورة مشوهة تقيس عليها الأخلاق والدين، ألم تسمع ببعل الكنعاني ؟.. الإله بعل الذي يتعهد الأراضي البور ويسقيها بأمطاره، والذي يرتدي زيًا إلى الركبة!
تلعثم وهو يردد اسم بعل بقوله:
-بعل ... بعل!
لم يجد ردًا مناسبًا فأضاف إلى ماقاله:
-بعل أبعد من الجد الذي قصدته، أليس كذلك ؟
-وأنت أبعد ما تكون عن المنطق، لم تفهم العالم بعد ضمن جدليته يا صاحب الحجة البليغة !
فضل الشيخ السكوت، لسان سليم سليط، كما أن رفاقه في المهجع علقوا تعليقات شتى نالت من شخصه. قال أحدهم: