فهرس الكتاب
-يعني هو جدجد.. جدك !
ساد جو من الضحك والمرح، لم يمنع الدوري نفسه من القهقهة ولسانه من التعليق، غشي وانقلب على جنبه، وكأن أحدًا أمسكه من خاصرته وكركره، الجميع يراقبون، غشي وانقلب على جنبه، وكأن أحدًا أمسكه من خاصرته وكركره، الجميع يراقبون حركاته، تطلع إلى وجوههم، اقترب من عمر وهمس في أذنه، ثم أخذ يذرع الغرفة جيئة وذهابًا والكل ينظرون إليه يتهامسون ويبتسمون بخفة ودلال، بحركة هستيرية وقف وسط البركس وقال:
-أيها السجناء وياشيخي البعيد عن المشيخة، أنتم بين جدران سميكة، النقب جنوبكم والبحر غربكم والنهر شرقكم، أينما ذهبتم فالسجن واحد، إخوانكم ما زالوا متخلفين عن الركب، اليوم خمر، ولم يصلوا إلى الغد، وقد يتوقف الزمن عند أقدامهم العارية، ما داموا يشربون"سم الهاري"ويركبون حمير أوروبا، يشوون لحم حيواناتنا!
-آه يا صديقي سليم أراك مصرًا على فتح جروحي في لحظات وداعي
تدخل أحد السجناء، أوقفه عن الكلام بقوله:
-أنت يا سليم الدوري، أيها المجنون، بالله تعيرنا سكوتك.
قهقه وهو يدندن بكلمات بذيئة ثم قال:
-سأفعل، لكن هل تضمن النتيجة! فأنا إذا أعرتكم سكوتي فلن يبقى سوى الكلام.
ارتفعت الضحكات ثانية ولامست شغاف القلب، بينما صوت من آخر المهجع يتدخل لوقف ذلك:
-بدأت الفلسفة تظهر على أصحابها، وحد الله يا رجل ودعنا نودع عمر.
-تسمي ذلك فلسفة، ليتك قلت"نفنفة"واتكلت على الله.
كانت هذه الكلمات شيخ البركس .
-ما شاء الله، من أي قاموس جلبت هذه الكلمة، بالتأكيد من قاموس"أبي سعيد البسكليتاتي"المحجوز عليه صحيًا ... إياك أن ترفع يدك، اكسرها، ولا تقترب، إياك ذلك وإلا"فالغزال يرعى بيننا".
غنى أحدهم"نفنوفة يا نفنوفة ……يا أم القذلة المكفوفة"
عند هذا الحد وصلت الأمور نهايتها، الشيخ في هياج، شعر أنه أهين، وقف المعلم علوان وعمر بينهما، وانتهى المزاح عند هذا الحد.
كان الصباح كالمساء سماء مغبرة وغيوم متفرقة تتلاشى وهي تتجه شرقًا، أشبه بقافلة غجر، الرياح الصفراء تزرع السأم على عويلها أفاق سجناء البركس سبعة، كل واحد ألقى تحية الصباح على عمر وعلى شفاههم ابتسامة باهتة.