فهرس الكتاب

الصفحة 1144 من 1574

البارحة وفي مثل هذا الوقت اقترب من باب البركس من نادى على عمر، كلمح البصر ناوله علبة تبغ ومضى، استغرب نزلاء البركس وجود علبة تبغ بيده، إنهم يعرفونه لايدخن وطوال عمره يهاجم التدخين ويكتب عنه مقالات ويناقشهم في مضاره، ويدعوهم لتركه، نظروا إلى وجهه، تحلقوا حوله، تساءلوا، ما سرّ العلبة، قرأ الحيرة على وجوههم، طمأنهم أنه مازال على موقفه، وهي ربما تحمل أمرًا هامًا، يعرفون أنه يتلقى بين الحين والآخر رسائل هامة، كل مرة تصله بطريقة مختلفة، فمرة توضع بين أرغفة الخبز أو داخل المنشفة أو ترمى من فتحة الباب، لا أحد يعرف كيف ومتى تصل، حتى عمر لم يكن مطلوبًا منه أن يدقق بالأمر، يعرف نتيجة انكشاف ذلك وعقوبته، لذلك كان يثق بالشخص الذي يدفعها إليه، فيعطيه ما لديه من رسائل، أغلبها تمده بمعلومات دقيقة عن تحرك إدارة السجن والوضع وفي السجون الأخرى، رسالة ذلك الصباح تضمنت معلومات عن افتتاح سجن جديد في صحراء النقب .

تحلق الرفاق حوله من جديد، هذه الليلة قرروا الاحتفال بوداعه، مؤشرات ترحيله واضحة، إضافة إلى برنامجهم السابق وهو الاحتفال بالأول من أيار عام ثمانين.

سرت روح المرح وتخلص الجميع من عصبيتهم وتركوا نكتهم التي تثير حميتهم، نفضوا عنهم أحزانهم إلا عمر الذي وضع رأسه بين يديه وتجول في ذاكرته، لا يراوده شك أنه حزين، جابهه المحقق بالواقع الذي كانوا يرصدونه بدقة، قال له"كنا بانتظارك"، ليته لم يفسرها ويعقب بكل ثقة، عد إلى ما نشرتموه في جريدتكم"الحرية"، ألم تقولوا إنكم مقبلون على عمليات نوعية، وإنكم تحضرون للانتقال إلى الداخل ؟! هذا كلامكم، لم نتوقع اصطيادك بهذه السهولة، لتكون كبش الفداء .

أبعدوا الأغطية جانبًا ورتبوا الفرشات على شكل بيضوي. ارتفعت أصواتهم وهم يعملون، ثم جلسوا على الأرض، تحرك المفتاح في الباب، أطل الحارس من النافذة وقال:

-إذا سمعت أي صوت سأقطع الكهرباء .

تطلع ثانية إلى الوجوه وصاح، ألم تسمعوا ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت