فهرس الكتاب
توالت الأسئلة تصم الآذان، كل من في المهجع استغرب عودته بهذا الشكل، كانوا يترقبون عودته، لكن ليس على هذه الشاكله! عندما تأخر سألوا العسكري الذي على الباب فلم يجب، انشغل فكرهم. وعندما عاد ممزق الثياب مدمى الوجه و الجسد، وقفوا متجمدين في أمكنتهم، يسألون لماذا ؟
رمى نفسه على الأرض، قال بأنه تعبان ويريد أن يرتاح، سألوه ماذا حدث؟
فأجاب: الذي حدث فوق كل تصور !
قال الشيخ خالد:"كان الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه"استحلفكم أن تدعوه يرتاح، وعندما يفيق سيحدثنا .
قال أحدهم: وهل نستطيع صبرًا ؟
-ماذا نفعل سنصبر، لا ترهقوا الرفيق دعوه الآن !
انطلق عزف حزين، الوجوه تتطلع إليه، لقد استطاع عايد أن يصنع نايه ويعزف عليه. جوف عصًا. ظل شهرًا كاملًا يشتغل بصمت، يفتت داخلها كما تفتت مياه الفيضانات التربة وتجرف الصخر، ثم بعد ذلك ثقبهها ثقوبًا عدة، منذ شهر وهذه العصا صديقته، كان يقول إذا نجحت في تحويل العصا إلى آلة موسيقية أكون قد حققت ذاتي، سترون موهبتي أنا الذي أطرب القطيع في جبال القدس. أدور في الدبكة كمن يبحث عن ظله وأحولها إلى احتفال مشهود. الكل يقول لحظة وصولي، جاء الشاعر، أسر لهذه التسمية تسمو روحي في السماء، أنفخ من ذاتي في الهواء القابع بين جدران الآلة النفخية.
فيتراقص نغمًا وقصة عشق. يكفي أن تقول في بلدة شعفاط عايد لتسمع ألف زغرودة .
انطلق اللحن الحزين فأعاد كل واحد إلى ذاته، فتح عمر عينيه على الصوت الشجي، انحدرت غيمة من سمائه وقال:
-اعزف أيها الرفيق، أظن أن منفذي العملية قد لاقوا حتفهم، لا مجال لديهم للنجاة .
توقف العازف ونظروا إلى عمر الذي خرج عن صمته. قال: سأحدثكم بكل ما حدث فقط انتظروني لحظة، أريد أن أشرب فنجان قهوة لأصحو.
أصغوا .... لم يستطع أن يتابع حديثه ويصف أصوات إطلاق النار والإنفجارات، لكنهم فهموا ما حدث. ارتفعت مكبرات في السجن تعلن موت"المخربين الثلاثة"فارتفعت من المهاجع أصوات الآذان:
الله الأكبر ... الله الأكبر
بعد دقائق اصطفوا جميعًا خلف الشيخ خالد يؤدون صلاة الغائب. أما عمر فإنه يراقب ما يجري في الغرفة. جروحه تنزف. الكدمات تورمت وانتفخ جسده. أنّ من الألم، تجمع الرفاق حوله، اقترب منه الشيخ خالد. بيده مسح دمعة لم تستطع المقاومة، وعزاه بموت رفاقه وتبعه الآخرون. اعتدل في جلسته احترامًا لرفاقه، تحمل الألم بصعوبة بالغة .