فهرس الكتاب
أما القيادة فكانت تردد بأن الشعب في الداخل لن يثور شرب لبن دولة إسرائيل وأكل عسلها، لن يعود إلى البادية، لن يحركوا ساكنًا. سيظلون وراء النهر يحاولون تثوير الأمة، فيجيب بلغة كلها استهزاء"وهل أنتم ثائرون حتى تثوروا غيركم! إن شئتم الدينا ومتاعها فظلوا هنا، فهي مقدمة لكم على طبق من الريالات والدولارات. المال والجنس زينة الحياة الدنيا فعبوا منهما ما شئتم، أما أنا فلن أبقى هنا، هناك بيتي وشعبي وعدوي، صحيح هذه مهمة صعبة لا هروب منها، وقد تفقد الإنسان حياته، لكنه يهبها ويكتبها حياة جديدة لشعبه ."
أحس بالاختناق فالحرارة تصهر المعادن وتذيب الإسفلت، كل شيء يغلي، الدماء في العروق، المياه في الأنهار، الأرض والتربة، الحشرات الهائمة تطير على شكل حلقة أينما حل، يده مروحته. تقرصه وتلسعه فيحك ويهرش جلده فيصطبغ باللون الأحمر، وتتجرح بعض الأمكنة وتصاب بالخدوش وتتورم، يضع قطقعة قماش مبللة بالماء، الرطوبة المرتفعة تحول جسده إلى مضخة عرق. يعود ثانية إلى حك يديه وقدميه ووجهه وبقية جسده، يحرك يده ليبعد بعضها يغطي وجهه ويلبس جواربه فتهجم عليه وتقرصه. بأظافره يخدش جلده وبيده يدعك مكان الورم يحرك جذعه أشبه براقص محترف. كاد الدم يفرمن وجهه. انتفخت بقع من مواضع عدة من جسده كطفل أصيب بالحصبة.
يأخذ مجلة"الحرية"، يقلبها ويحركها لا ليقرأ هابل ليحرك الهواء الثقيل. يبصق ويقول في نفسه، بئس المنطقة التي تغرق نسمتها في شبرماء.
الرياح البحرية الغربية والتيارات الدافئة من أغوار الشرق والغرب، فأينما اتجه يجد الزرقة المتصلة بالعمود الإلهي وبالمتوسط والميت والأردن. من باطن الهوى جنوب غربي الرملة البحر صفحة زرقاء وخيط عالق ما بين الزرقتين يهبط رويدًا حتى يختفي عندما يصير الأفق محمرًا، مجموعة أودية تنبع من مرتفعات البيرة ورام الله تهرول غربًا لتموت في المنطقة ذاتها كوداي الكلب والعقدة والسومر، تزين الجبال نهوضها ببواكير الأزهار البرية التي تتسلم من العام الجدبد تأشيرة حياتها كالنرجس الذي أخذ حق المرور والتفتح، بعد شهرين من الاحتفالات ذاتها ترسم الأزاهير تيجانها وعرشها على السفوح والقمم كالحنون... تتمايل الوليدات مع عذوبة النسمة لتصل إلى الشعاب والمغاور التي تأخذ أسماءها من بعض الرعاة كمغارة راشد وحسين ... وشعاب القدس .