فهرس الكتاب
رحب به المدير وناوله التقرير المرفوع ضده قائلًا:"اقرأ يا أستاذ، إنه من هاجم الدرديس أكسل طالب في صفك، والده عريف بالجيش جاء قبل أربعة أيام ... إنه العسكري الذي قابلك وأخبرته أن ولده أكسل طالب في الشعبة الثانية. في البيت أخذ الكرباج يفرقع على جسد ابنه، في نهاية حفلة التأديب تهمك بعدم إعطاء الدروس وتقطيع الوقت والحديث عن القومية العربية ومدح عبد الناصر ومهاجمة الملك، ما العمل يا أستاذ ؟"
في البيت وجد تجديدًا لدعوته للحضور غدًا إلى قسم الأمن السياسي، وقع والده على استلامها دون أن يعلم أحدًا، حمد الله أن أمه لا علم لها باستدعائه، تقيم الدنيا تضطرب وتسوء حالتها الصحية، يرتفع معها الضغط وتتحرك الرمال. سهر حتى الثانية بعد منتصف الليل ثم اندس في فراشه، هرب النوم عنه أشبه بجندي فقد الأمل بالنصر فاعتمد على قدميه. التعب باد عليه، أشعل النور تناول كتاب"العروبة أولًا"وأخذ يقرأ الصفحات الأولى منه. عيناه منتفختان وآثار السهر بادية عليه، ذكرته هذه بأيام العشق يوم عرف وصال الوردة الدمشقية المتفتحة التي لا تحمل بذورًا بقدر ما فيها من الحسن. زهرة من نسيج الدموع كلما حاولت أن تشع ذبلت. كالجمرة في أول تكون الرماد، بركان خامد، ودعها بلا أمل وبلا عودة وجلس في محراب الوحدة ينتظر نهاية أحزانه وانشطار ذاته وتبدد فعلها .
أغمض عينيه وهو يردد: أيتها الحبيبة هل شاهدت غيمة تمتص الرطوبة وتظل متوهجة كالبرق؟ أنا لا أنفعك، عودي وأطلقي أنفاسك لتحملها النسيمات، وتأملي الغيوم القادمة من الجنوب ستجدينني أبثك أشجاني وأنتحب على تلك الأيام. البارحة عرّفته عبلة على ناديا السلطي التي صارت في حلقتها التنظيمية، فتاة رقيقة، زهرة ضمتها إلى صدرها، لها جمال وصال وأنوثتها، تدق الأرض بمشيتها، جسدها رشيق، ومشيتها متأنية، تعطي لخطواتها شيئًا من الرصانة والثقة، فتبدو وكأنها تقود خلفها جيشًا يستعد للمناورة. مازالت طالبة في المرحلة الثانوية، تسأل كيف يحدث التغيير والنصر. أبدت إعجابها بإجابات عمر عن أسئلتها، وهذا ما دفعها إلى تنفيذ المهام بروح رفاقية. تأتي إلى عبلة وتقول:
-على المرأة أن تثبت أنها كالرجل، بل ومتفوقه عليه، عليها أن تعمل ليل نهار.