فهرس الكتاب
شلح بنطاله وملابسه الداخلية غسلها وجففها. في الليل قرر أن ينجو بنفسه، صباحًا اتفق مع المحقق على التفاصيل والأسماء المتعلقة بالتسلسل الهرمي لتنظيم القوميين العرب، أعطاهم أسماء الجبهة القومية. بدأت أجهزة الأمن تلقي القبض على أفراد التنظيم، وكانت الفضيحة عندما أعلن الرفاق انسحابهم عبر الإذاعة، ناديا عرفت بكل ما فعله، جاءت إلى بيته، حاول أن يعتذر عن تخاذله، تظاهرت بالمرح، تقدم منها ليقبلها ويضمها إلى صدره، وقفت تنتظره وهو يقترب، اصطنعت ضحكة هستيرية، تركته يقترب وهي تتراجع محافظة على المسافة بينهما، فتح ذراعيه ومدهما تجاهها، لامست يداه كتفيها، قال:
-أحبك يا ناديا.
جذبها بقوة إلى صدره، تخلصت بصعوبة ومرونة من يديه وقالت:
-واضح حبك يا زكي، الذي يحب لايخون، البرهان مافعلته ومثلك لا يستحق سوى هذه النهاية .
في هذه اللحظة حرثت السكينة أحشاءه، ابتعدت عنه وراقبته، تشنجت يداه قبل أن تصلا رقبتها، وقع على الأرض وهمس بكلمات غير مفهومة، بعد دقائق فقد جسده المرونة وتصلب، ظلت جانبه حتى تأكدت أنه فارق الحياة.... غيرت ملابسها وأخذت ما تحتاجه بحقيبة يدها. أغلقت باب الشقة ومضت. كان دمه يملأ ساحة الغرفة ورائحة العفونة تنتشر في كل ركن في البيت، ولما لم يجد مكانًا للبقاء داخلها، سال إلى الباب الخارجي ونزل على الدرج، أشبه بدم بعير عض يد صاحبه، فأطلق عليه النار غير آسف على خدماته مراقبًا دمه يسيل متشفيًا وتاركًا لحمه جيفة للوحوش .
-الفصل السادس عشر -
النهر المسافر جنوبًا الذي ظل حوال أشهر عدة مؤدبًا، أودع خريره لمخاضات تستخدم للعبور، ويوم وصل اليهود إلى ضفته الغربية فقد هدوءه، كانت رياح تشرين تراقص الأوراق التي تخضبت بالحناء، فانحنت راكعة تروي ظمأها، وعندما لم تستطع الوصول نزلت سابحة في الماء، الحيرة تتملك النهر فعلي يمينه الدوريات الإسرائيلية المختبئة بين القصب والحشائش والشجيرات تترصد حركة الطرف الآخر، وعلى يساره فتية يواصلون التطلع إلى الغرب وفي أيديهم سلاحهم، في هذا المنخفض يمشي مزهوًا بفتية يتجاوزونه معلنين امتنانهم لمخاضاته.