فهرس الكتاب

الصفحة 1327 من 1574

مازل الجو حارًا وأسراب البرغش القارص تطارد كل من تجده، تحوم كالمروحية قبل أن تحط على الجسد، الغيوم تمشي بتمهل، لونت شفتيها برغوة بيضاء، فقد شابت لكثرة حركتها وطول مدة جريانها، جلس يتأمل المياه الرقراقة، شلح حذاءه ووضع قدميه في الماء، شعر ببرودة ورطوبة، غسل وجهه ويديه، جسده الدبق بحاجة إلى حمام، رمى ملابسه جانبًا. فكر بالعملية التي سيقوم بها، قطع إلى الجانب الآخر سباحة وجلس هناك. أحس بالمرح إنه الآن فوق أرض فلسطين. راقب المنطقة جيدًا وعندما تأكد من خلوها أخذ يدندن ويغني، انتقل بسرعة إلى مكان آمن، نشف جسده وارتدى ملابسه، من بعيد صوت يناديه ويدعوه إلى العودة إلى القاعدة .

أمور ثلاثة فكر بها أمه وعبله ووصال، تمنى لو يلتقي بهن، كيف يقود مجموعة إلى الموت دون أن يرى ويودع من يحب، هذا الهاجس جعله يخاف، صحيح إنه يدخل إلى منطقة عرفها وخبرها، لكن الموت والعدو كأسا حنظل وكما يقولون"لاأحد يضع على رأسه خيمة". استطلعها قبل يومين وصل إلى مرتفعات رام الله ونظف أكثر من مغارة، سيقيم في إحداها. ثمانية هم عناصر دوريته التي سيقودها أربعة ينفذون عملية وآخرون يبقون معه لبناء تنظيم في الداخل. تساءل إن كان هذا الحلك سيتحقق ويقرب يوم التحرير، أما إذا فشل فسيتكرس شعار التحرير من الخارج وينتصر المنادون به. لأن دخول القيادة والقواعد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة خطوة نادى وينادي بها وتلقى معارضة شديدة.

مرت أمامه أفعى بنيه، لفت حول شجرة وأخذت تصعد إلى الأعلى، ضربها فأصاب ذنبها، حركته بشدة وتابعت صعودها وعندما صارت فوق غصن عال فتحت فاها وأخرجت منه مادة بيضاء ورمت نفسها عليه، عندها ابتعد قليلًا فتكومت أمامه على الأرض، دعس على رأسها فظلت تحرك جسدها يمنة ويسرة ما يزيد على عشر دقائق، محاولة الخلاص حتى همدت في مكانها. مددها وقاس طولها ثم قلبها على بطنها تمتم بكلمات ذكر فيها الشمس ثم مضى .

شعر بالحرارة والرطوبة الخانقة في وقت اتجهت الغيوم شرقًا، ليعود للسماء صفاؤها وبهجتا وزرقتها وتوقف حفيف الأوراق المخضبة بالحناء. نهضت الأفنان إلى الأعلى بعد أن ارتويت من ماء الأردن، أما العصافير فهي دائمة الحركة والزقزقة، وهي بطيرانها هذا تحاول تحريك الهواء ليصير أكثر طراوة ونسماته أكثر عذوبة ورقة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت