فهرس الكتاب
-الاندماج في الحياة، والحياة ذاتها ثقافة علينا أن لا نغفلها.
-أنا أعيش مع والدتي يصعب عليّ الانفتاح أكثر، التهم للفتاة جاهزة و"رضا الناس غاية يصعب إدراكها"
نفضت المدينة غبارها، نهضت وحيدة تعرج وأحيانًا تزحف كالكسيح، ملأ الدقيق فمها، أسنانها تصر، ارتفعت الهبوب عامودًا في وسط السماء وبدأت تتحلزن وهي تنتقل من مكان إلى آخر. خر نجم فجاء بعيدًا عنها، أضاءت الأنوار الصفراء شوارعها. ضرب بكفه على مقدمة رأسه، مازالت قناة الغور تفيض كما حصل معه يوم دخل الحمام الدمشقي أول مرة. من يصدق أن ستين حمامًا تقع في المدينة القديمة ضمن مساحة أقل من ستة كيلو مترات مربعة. دخل مباشرة إلى"الجواني"دون الاستراحة والمرور"بالبراني والوسطاني"، شلح ملابسه، سال العرق وتصبب بشكل غريب، دخل في عينيه وفي فمه، شعر بدوخان وزوعان، الجواني حرارة مرتفعة، حاول أن يتنفس، أحس بألم في بطنه وأصابه دوار، لم يعد قادرًا على التماسك، قبل أن يقع استند إلى الجدار وقعد إلى الأرض الدبقة. دخل المدلك، انتبه إلى جسده المتصلب، أسرع وأحضر قليلًا من الماء البارد وأمر بإطفاء النار، مسح وجهه وأخذ يدلك عضلاته ويربت بيده على وجهه برفق حتى أفاق.
محاولًا ما أمكن التخفيف مما حصل فروى له شيئًا عن لذة الحمام والأغاني المرافقة، غنى بصوته الناعم وعمر يستمع مبتهجًا ومندهشًا:
أويها زء زء العصفور تانفلق
وتخبا بين الدوالي والورق
والعدو مانال مراده
كل يوم عنا فرح
لي لي لي ليش
لاحظ السرور والمرح يسكنان محياه فتابع حديثه:"ياصاحبي أهل دمشق يفخرون بأربع خصال، الماء والهواء والفاكهة والحمام، ومع ذلك فالرجل يكره إعطاء زوجته أجرة الحمام، ليس من باب البخل، لأنه معين لها على المكروه، يقال إن فيه كشف العورات وارتفاع الصوت بغير كلام الله، لكن هذا غير صحيح فهناك حمامات النسوة وأخرى للرجال أو حسب الدور. الحمام يذهب القشافة ويعقبها بالنظافة ويفش التخمة"