فهرس الكتاب
جفف جسده وأبقاه في الوسطاني مدة من الزمن وأخذ يشرح عن القبة المستديرة التي لولاها لكان التنفس صعبًا وعن هندسة البناء الذي يشبه القلاع أو الأماكن الدينية والزخارف المنقوشة التي تشع، ونبهه إلى وظيفة القناة التي لم يعد لها أي عمل، فجر المياه لم يعد بواسطتها بل بأنابيب. عندما عرف المدلك أن عمر ليس من دمشق نصحه أن يزور قصر العظم والجامع الأموي والتكية السليمانيه والمتحف الوطني، في هذا الوقت الذي انبته فيه إلى القبة كانت أشعة الشمس تتراقص عبر الزجاج المعشق.
مازال يذكر ابتسامة العامل وتودده، تبادلا العناوين، ناوله خمس ليرات لحق به ليرد له الباقي، فأجابه"الباقي لك"فدعا له من كل قلبه وقال:
-إن شاء الله بالعودة إلى فلسطين، يومها سأطلب من المعلم أن بفتح الحمام مجانًا لمدة أسبوع .
نظر إليها وقال:
-لقد انتهيت من شرح محاسن دمشق، أيتها الحسناء، إياك أن تعتقدي أنك تحبينها أكثر مني ؟!
وقفت كالفرس الأصيلة حدقت إليه، تأملها جيدًا وكأنه يراها للمرة الأولى، صدر كالفلاة، أعلى نهديها يضغط على ثوبها الناعم، عيناها مجنونتان. فكرت بعودته إلى القدس، هذا الهاحس أتاها فجأة. احتضنت الألم في أضلاعها. أي صراخ يفيدها وأحشاؤها تتقطع ؟! أي ألم يمكن أن تعبر عنه ساحة وجهها. تذكرت ما قاله عن الحب"كلمة رائعة، عاطفة نبيلة، ربيع الحياة وتجددها، هو ذاك الإبداع الذي يدغدغ الوجدان، ويجعل الحياة قلقة، حلو مرة، ومرّ مرات. يفتح العنين على اتساعهما لتريا جذوة الحياة التي لا تنظفئ". دقت الأرض برجلها، لوحت بيدها بعد أن ابتعدت عنه. راودتها أفكار غريبة عجيبة، لم تستطع أن تظل حتى الصباح، قبيل منتصف الليل ارتدت ملابسها على عجل، تناولت أحد كتبها وقالت لأمها"أنا عند صديقتي وهذا رقم هاتفها".
عيناها تشعان بريقًا وحزنًا، نظراتها تائهة وحائرة، خطواتها سريعة كعدو الإبل. عند وصولها إلى بيته وقفت تفكر، هل تعود؟ ولكنها في لحظة شجاعة قرعت الباب، فتح ورحب بها، استغرب مجيئها، سألها، غمرت الدموع وجهها وبللت أعلى ثوبها وصدرها. تساءل عن الأمر العظيم الذي دفعها للحضور في وقت متأخر! لم تجب. غير ثيابه، تابعت حركاته وعندما هم بفتح الباب، تكومت على فراشه .
أغلق الباب وعاد يسألها:
-ماذا حصل أيتها المجنونة؟ هل أنت مريضة؟ ... إذن ماذا تريدين ؟
مسحت دموعها وقررت العودة من حيث أتت، قال: