فهرس الكتاب
لا حول ولا قوة إلا بالله، التحقيق يستمر ساعة أو اثنتين وربما ثلاثًا، أما أن يستمر من الظهر ولا ينتهي في الليل، فهذا يعني أن أمرًا غير عادي حصل. قرع شديد على الباب. تركت الفراش وأسرعت فإذا جارتها أم سعيد، دخلت وقعدتا في الغرفة .
-ما بك يابنة الشلبي أرى وجهك مخطوفًا وحالتك لا تسر؟
-إن شاء الله خير. أبو عدنان لم يعد حتى اللحظة، ذهب إلى مخفر الشرطة ظهرًا .
استغفرت أم سعيد ربها، ودعت أن يعيده سالمًا وأخذت تهون الأمر وتبعد الاحتمالات السيئة، أم عدنان قالت:
-إننا مهددون من الإنجليز، ماالذي أتى بهم من آخر المعمورة، بيننا وبينهم سبعة بحور وبلاد لا يعلم بها سوى الله !
-الإنجليز خنازير ..طوال عمرهم يخذلون الشعوب ويستعبدونها .
تناولت فنجان القهوة حركته ونظرت في البقايا، ابتسمت ثم انصرفت تاركة كل شيء كما وجدته غير قادرة على بث الأمل ... عادت فاطمة الشلبي وحيدة، قرأت آية الكرسي وسورة الإخلاص والحمد مرات عدة، فؤادها يخفق كقلب طائر متعب، تذرع الغرفة جيئة وذهابًا وتذهب بها الظنون كل مذهب، تركت بيتها واسرعت خارجة، تفرك يديها بعضهما ببعض، وعندما تدرك أنها في الشارع تخاف الظلمة، تحاول أن تبدو طبيعية، تخفف من سرعتها وتضبط حركتها. تبلل طرف شفتيها ثن تلتفت يمنة ويسرة. فإذا كان الشارع فارغًا تتابع طريقها، وإذا سمعت وقع خطوات عادت مترقبة، لا سبيل سوى خيالها الذي لم يسعفها إلا بالسوء . في لحظة شجاعة نادرة حدثت نفسها، لم أنت خائفة يا فاطمة؟ هذه حارتك تخرجين في أي وقت! تخفق في الإجابة، تعيش على البقية الباقية من أعصابها. لم تعد قدماها تحملانها. أصفر و جهها كالعصفر. أولادها أكبرهم عدنان وهو غير قادر على فعل شيء، ردت عليه:"اسكت ولا تزيد همي، هؤلاء الإنجليز لهم عيون كثيرة، إن شاء الله خير".
قررت عدم النوم، ستظل مراقبة الأزقة حتى يعودا، لابد من عودتهما ... رأتهما آتيين على بعد أمتار، تفحصتهما، إنهما معافيان ابتسم أبو عدنان، أدرك مدى قلقها، قالت في نفسها:"الحمد لك يارب"ردت بابتسامة باهته وقبل أن تسأله تناولت صغيرها وفعته إلى صدرها، قبلته قبلة طويلة، وجهها مازال مشحونًا بالقلق، نبهها لذلك فردت:
-أنتما لا تحسان قلقي، خفت كثيرًا وندمت لإرساله معك!
-وحدّي الله إن ذهابي إلى مخفر الشرطة لم يكن في يوم من الأيام أمرًا غير عادي. كل حياتي أخدم عندهم لماذا اليوم بالذات ؟!