فهرس الكتاب
-أمك يا حبيبتي إنسانة عظيمة تبحث عن سعادتك بمفهومها، وهنا يأتي دورك، عليك أن تطلقي ألف زغرودة وتقولي بأن السعادة ليست نقودًا، والتي تملكه تراه شيئًا تافهًا وتبحث عن سعادتها بعيدًا عنه.
وزعت السماء شيئًا من غيومها البيض، في حين هبت نسمة باردة جدًا من الشمال، البرودة تلسع الوجه والأذنين، فرك يديه ثم خبأهما في جيوبه، يريد استجرار الدفء لكنه لم يحصل عليه، ركض وأخذ بيده كمية من الثلج وقذفها تناولت كمية رصتها بيديها وردت على ضربته. ركضت ووقعت على الثلج، مد يده شدته فوقع فوقها، كل شيء فيها ندي. أنهضها وسارا على الطرف الأيمن من شارع بيروت المتجه إلى دمر، وصلا الربوة دخلا طريقًا ترابيًا موحلًا إلى جانيه بيوت متناثرة، خافت زررت قميصها ورفعت كنزتها لتحمي رقبتها. تسللت قطرات الماء إلى جسدها. شعرت بالبرودة كادت يداها تتيبسان. أوقفت سيارة أجرة واندفعت داخلها، صعد إلى جانب السائق، ظل ملتفتًا إلى الخلف يحادثها، لكنها لم تكن مسرورة، البرد غزا مفاصلها وعظامها، انكمشت أشبه بقطة تبللت، ارتخى جسدها فأسندت رأسها إلى الخلف. نزلت عند مدخل البناية، شدته لينزل. صعدا وبعد أن فتحت الباب أحست بحالة انحطاط، ارتمت على الاريكة في الصالون، فتحت عينيها وحاولت الابتسام لم تقدر. زاغ بصرها، الأشكال تبدو أكثر رخاوة، أغمضت عينيها لتحتفظ بشيء من التوازن. أسرعت إلى المغسلة وضعت إصبعها في فمها وتقيأت. قبل ستة أيام ذهبا إلى الزبداني تزلجا ولعبا طويلًا، كادت رجلها تنكسر، عادت وهي مليئة بالحرارة والحيوية قادرة أن تستمر باللعب ساعات طويلة ولم تشعر بالتعب والدوخة، بل كانت رشيقة بشكل لايصدق. قالت تخاطبه:
-أيام الثلج في بلادنا تنتهي بسرعة وقد لا تأتي في بعض السنين. هيا نتسابق ونتراشق، غدًا سنتمنى نسمة باردة في آب وسنذكر هذا اليوم وغيره ونحن نتحسر على هذه الأيام.
نسي تلك الأيام التي تأتيه كومضات. ألف بعد طول وقت طباع الرفاق وعرف قصههم، سعى لتنظيم الوقت والنقاش والسعي لحياة أفضل داخل السجن. إن ما أعطته سلطات السجون بعد إضراب الثمانين أخذته بعد تفريغ السجون من الرعيل المجرب نتيجة عملية التبادل التي حدثت العام الماضي وإهمال تجربة الاعتقال الماضية، كأنهم بدؤوا من نقطة الصفر دون الأخذ بالاعتبار المرحلة التي وصل إليها نضال الحركة الأسيرة خاصة التخطيط الشامل للنضالات الاستراتيجية التي تستهدف المطالب للجميع ...