فهرس الكتاب
عليه أن يقول لا فالأجهزة لاتملك سوى ما تستجره منه ذاته، حيث يقومون بدراسة التحقيق الأولي دراسة نفسية فيتم تسليط الضوء على موضوع معين، وهكذا في كل مرة حتى يجد الأسير نفسه قد أدلى على دفعات بكل ما عنده دون أن يدري. ماالذي يفعله عندما يعلق في الفضاء مرفوعًا عن الأرض، يداه تكادان تنفصلان من المفصل. في البداية يصر على الصمود، يشعر بدوار خفيف يزداد بالتدريج، فيتحول مسرح أفكاره إلى مطارق تدق في رأسه، يترنح وجسده صلب أشبه بالمشنوقين الذين رآهم معلقين في عمان وفي دمشق. عندها وصف الحياة بأنها قبيحة، تذكر العدالة المفقودة. أكثر من مرة شك بالجرم المكتوب على الصدر، ربما اعترف من الضرب ومثل الجريمة كما أوحت له الأسئلة كأنه ارتكبها ليتخلص من نار التعذيب، مادامت القاعدة العرفية تقول"بأن المتهم مدان حتى ولو لم يقم بالعمل، لن يجرؤ على تبرئة نفسه لوالتهم أوراق المصحف أو أثبت عكس ذلك". باع الحياة بقشرة بصلة، المصير المحتوم جعله قويًا لا يتراجع، بصق عليهم عندما علقوه وعذبوه، قالوا له"ستموت هنا في المعتقل"كان يعلم أن للتعذيب نهاية. فقد علموه في حركة القوميين العرب أن يجيب بقدر السؤال كيلا يسمح للمحقق باستخلاص سؤال جديد من إجابته، وتعلم الصرامة والمركزية في التنظيم والتعامل والقواعد الحزبية الداخلية والتي أهمها تنفيذ الأوامر دون نقاش على قاعدة"نفذ ثم اعترض"ورغم أنه لا يميل إلى القوة في التعامل إلا أنها أعطته التحمل.
تذكر أساليبهم الإغماءات المتوالية، التي تفقده الزمن، يصحو بعد أن يرشه أحدهم بالماء، يفيق ليجد الزنزانة مملوءة ماءً. هناك أكثر من شبر ماء، لا مصرف لها تتسلل منه. شعر بدوار بات معه الوقوف صعبًا، استند إلى الجدار ورمى بثقله على الحائط، اكتشف أن بإمكانه فتح شق صغير تحت الباب، حاول باصبعه، جاهد لكن الأوساخ بدت أكثر قوة من عزيمته، أعاد المحاولة، ابتسم حين استطاع فتح ما يقرب من سنتمتر ما بين حديد الباب وأرضيه الزنزالة، المياة غادرت حتى آخر قطرة.
شعر بحاجة إلى النوم. أسند رأسه إلى راحتيه وغفا، جاء من يناديه ويطلب إليه أن يعود إلى الغرفة.