فهرس الكتاب

الصفحة 1402 من 1574

الانتفاضة تفتح الستارة التي تحجب الشمس والنور، الليل يلفظ آخر أنفاسه، يخب الخطا صوب نهار يفك أغلاله من أعماق العتمة، ارتفعت أمواج بحر غزة الذي لم يعد رهين جنود الاحتلال، إنه الآن قادر على افراغ قوته على الرمال، وإعطاء الشمس حقها من المياه لتبلل شفتيها وتنهي عطشها، مياهه تتحرك كجسد فتاة رشيقة، أمواجه امرأة مراهقة، الغيوم تسيح وتعانقه في حركة زمانية لا تنتهي. المخيمات هناك خرجت إلى الشوارع تهتف"الحرية".

نادى العسكري عليه بصوت قوي ثم أردف قائلًا: جهز نفسك للزيارة ‍

هذه الزيارة توقعها منذ ثلاثة أسابيع، بسرعة حلق ذقنه وسوى شاربيه وارتدى ثيابه الجديدة. وجلس ينتظر قدوم العسكري، الشمس مبتهجة والرفاق منشرحون، كل شيء رائع مادام سيرى أمه الزهرة التي تبخرت دموعها في عالم النسيان، ولم يبق إلا لسانها وقلبها اللذان تمردا على الموت واليباس، اختفى بريق عينيها وتحولت تقاطيعها المرحة وجاذبيتها إلى سحناء ذاوية خاوية، شفتاها تلوبان تطلبان الماء كلما فكرت به، ويداها يابستان. ابتسامتها تحمل غصة، مضطربه، نظراتها جامدة تطيل التفكير، تسرح يخبرها:

-يمّا لا تتعبي نفسك، لا حاجة إلى ما تفعلينه، هل يعقل أن تظلي تحرسينا طوال وقت الاجتماع مرة أنت ومرة أم الياس.

-عندما تصير أبًا ستعرف كم من الحب يحتاجه طفلك! لو كان بيدي أفتح قلبي وأضعك فيه.

يدفن وجهه في صدرها.

-كفى يا ولدي تريد أن تبقى مدللًا، تسلم يا حبيبي!

لحظة رن النداء في أذنه أصابه دوار خفيف عكس ما كان يتوقع، مواقف لا تخصى تعرص لها.

كلمات الضابط ذكرته بذلك:"لا تنفعل (يباسة) الرأس، يمكننا أن نكون أصدقاء، تقدم لنا معلومات، ونحن نتكفل بمصروفك، مقابل معلومات تافهة .... لا تزعل لانريد شيئًا منك فقط تأتي آخر الشهر وتقبض مساعدة، إضافة إلى مسدس تضعه على خاصرتك، يزيد وزنك وتحقق احترامك، تمشي دون أن يستطيع أن يقول لك أحد كلمة واحدة، وسنسمعك وننصت إليك".

أجابه:

-جئت بناء على دعوتكم لا أشكو من شيء، عينت مدرسًا في بيت صفافا وأنتم بصفتكم الجهة الأمنية التي طلبتني عليها أن لا تهينني، هل جئتكم أطلب العمل ذات يوم !

نظر المحقق إلى وجهه، صحيح إنه قاس وعنيد ويستحق عقوبة المنفردة، رن الجرس فجاء عسكري أعطاه الأمر بوضعهفي الزنزانة لإشعار آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت