أفكر أحيانًا لماذا أشعر بالسعادة رغم سني الأسر الطويلة ومعاناتها، لكنني سرعان ما أكتشفت الجواب، فأنا لا أشعر نفسي غريبًا، فأينما حللت أجد أخوة يجبونني ويعاملونني كرمز لصمودهم ويسألون عني إذا ألمت بي وعكة صحية، ويغمرونني بعطفهم واحترامهم أعيش بين أهل وهذا سر صمودي، وهذا الموقف لم يأت من فراغ فأنا لا أقف مكاني وانتظر المحبة من الآخرين ، فهي لا توهب لأنها ثمرة العطاء ، سعيد ذلك الإنسان الذي يجعل حياته كلها عطاء ...إن هذا لا يعني حبي للسجن بل العكس فالحياة الحقيقية تبدأ حين نخرج ونستنشق هواء السماء دونما سياج أو شبك. إننا وإن كنا نستطيع توفير ظروف السعادة في الصحراء القاحلة، فإننا نشتاق للأرض الخضراء والمياه العذبة وشاطئ البحر والنجوم المتلألئة بالليل ومنظر السماء البديع والرائع.
إنني أحيي الرفاق كافة وأثمن جهودهم السابقة واللاحقة
عمر محمود القاسم
عسقلان في 21/12/ 1987
كانت هذه آخر أيامه في عسقلان حيث التقى في غرفته مع شبان شاركوا في الانتفاضة منهم من رفع العلم الفلسطيني في المظاهرة ومزق العلم الإسرائيلي وأحرقه، ورقص على ضوء النيران المتصاعدة رقصته المجنونة وهو يهتف ... ومنهم من حرق إطارات السيارة، ورجم السيارات الإسرائيلية بالحجارة، منهم من أقام الكمائن، ومنهم منهم ....
وضعت الدولة في حالة استنفار، الجيش، الشرطة، السجون إذ بدأ طاقم السجن الدوام طوال اليوم، كما شددت الحراسات حول المباني الحكومية، ونزلت القوات إلى الشوراع، بينما جانب الطائرات الحوامة سماء قطاع غزة والضفة تساعد القوات في رصد حركات الناس في الأحياء والشوارع والبساتين والبراري وحتى في المرتفعات. وتدل على التجمعات، تشارك في إلقاء القنابل الدخانية عليها.
ازدادت الاعتقالات، في كل يوم موقوفون جدد، دفعة جديدة منهم في باحة السجن، شبان بعمر الزهور، منهم الطالب الجامعي والثانوي وحتى بعض الأطفال الذين لا يتجاوزون عشر السنوات، الذين يتم توقيفهم ثم اطلاق سراحهم بعد أيام.
جمعهم مدير السجن في وسط الباحة وتركهم طوال النهار يتعرضون للمطر والريح والبرد فكانون الأول معروف بأنه فحل الشتاء. عند المساء أمر بوضعهم في الزناين مدة ثلاثة أيام، قال قبل أن يعود إلى مكتبه: