كل شيء فيه تغيّر، لحيته الكثة، طريقة النظر، الخوف الدائم والاختباء خلف أقرب شخص إليه، وبمزيد من الحذر يهمس في أذن الأقرب إليه بحزن عميق"إنه مات وضعوه في كيس ورموه في مؤخرة السيارة". يخرج لفافة ويضعها في فمه، يرتجف عود الثقاب بين أصابعه، يحاول إشعال العود يخفق، يعيد المحاولة وعندما يشعل يتركه ثم يتناوله من الأرض أو يشعل غيره، يقربه من اللفافة ويأخذ نفسًا عميقًا. يضحك، لكن انطفاء السيكارة، يجعله يهرش جسده ويضغط على أسنانه، ثم يبكي.
يقعد على الأرض، يرى الفرح في عيني ريم، تشده للهرب من ضجة المدينة يتبعها وهي تغني له ثم تسأله:
-ما الحب؟
ينظر إلى عينيها وهو يقول لست فيلسوفًا، الحب هو ريم!
يسألها عن الوطن، فتجيب بعد أن تحدق بعينيه، الوطن هو أنت!
يتطلع إلى رفاقه، فيجدهم ينظرون إليه، ينسى أحلامه، يفتش جيوبه، يقلبها، يلف في الغرفة، يضع يده أمام وجهه ليتقي شيئًا ما، ثم يقرب شفتيه من أذن أحد السجناء ويقول جملته المشهورة. ندم الشيخ زكريا على ضرب السجين الجديد، وصار يدعو في كل صلاة لشفائه. بات من الضروري تنظيم الأوقات حتى لا تذهب هدرًا، وحتى لا تبقى منصبة على الضحك أو حركات العناس، لأن وجوده في الغرفة قلبها رأسًا على عقب، فلم يعد هناك اهتمامات سياسية وثقافية. دبت الفوضى، مما دفع عمر للمبادرة بمناقشة ذلك ووضع برنامج يقسم الوقت إلى مطالعة ورياضة ونقاش وتدريس، وتولى هو تدريس اللغة الانجليزية بداية بالمبادئ الأولية وتركيب الجملة والأفعال بأقسامه والاستفهام والنفي .... مدة الدرس تسعون دقيقة مقسمة إلى ثلاثة أقسام متساوية، درس جديد، حل تمارين، ومحادثة، انضم سجناء الغرفة خمسة إلى البرنامج، حتى صبري استجاب لذلك، فلم يعد يقوم بحركات غير لائقة وقت الدرس أو في أوقات النقاش، وبات لمثل هذه الحركات أوقاتها، مما دفع حالته إلى التحسن التدريجي.
الشيء الذي لم يحسب حسابه هو النقاش حول الشعار المرحلي، مابين الشيخ وبعض الرفاق، بدؤوا يكيلون تهم الخيانة. ابتعد الرفاق عنه وتناقص عدد المصلين خلفه، ففي إحدى صلوات الجمعة وجد نفسه وحيدًا، احتد وقال: أنتم كفار، لماذا تسجنكم إسرائيل ؟!
بعدها طُلب الشيخ إلى الإدارة، قال له الضابط: