-أنت يا شيخ نسيت ما بيننا! لم نسألك عن شيء ولم نمنعك من إلقاء خطبك، ألم نشجعك على تضمين مكارم الأخلاق و القصص القرآنية، وتبيان أمور الدين لأفراد الشعب على خير وجه، ما الذي حدث حتى صرنا أعداء ؟!
-ما بيني وبينكم كما بين القط والفأرة، لا يمكن أن يكونا صديقين على الرغم من حياتهما المشتركة .... أنتم قتلتم أخي الذي لا يتجاوز عشر سنوات.
أخبره نيتهم الإفراج عنه، عندما يقرر طلب الرحمة و العودة إلى الجامع وممارسة عمله السابق دون تحريض.
لاشيء في الغرفة ولا في السجن يخلصه من همومه، سوى الرسائل التي تنهال عليه، رفاقه يحسدونه ويقولون: أنت محظوظ يا عمر!
زادت أعداد الرسائل التي تصله، رفاقه خارج السجن، أنت محظوظ! لا أحد غيره وبقِدمه بقي وراء القضبان، خلافات بسيطة وربما شخصية هي التي جعلت القيادة لا تدرج اسمه، هل يصدق ما تقوله الرسائل، أم يصدق الذين يحسدونه؟
سيقرأ الفاتحة على القيادة، هذه التي تملك صحة جيدة، وكرشًا متهدلًا للوجاهة، تسبح بحمد ربها وتشكره على نعمه التي لا تحصى، وعلى الأمور الوفيرة، والدفاتر المستطيلة التي باتت في أيديهم. مرت أمامه حياة الأغوار، والشعارات التي عجزت الأرض عن حملها فتبخرت، أوصى رفاقه بالمحافظة على كراساته التي كتبها وهو في نفحة تحت عناوين مختلفة منها:
-"نقد ذاتي على الفهم النخبوي"
-"الدساتير الاعتقالية"
-"المراحل التي مرت بها المعتقلات"
لخص هذه المراحل بثلاث، الأولى مرحلة العفوية التي كان فيها العدو يصدم المقاتل بسيل من المعلومات التافهة، والتي يحصل عليها بالتصوير الجوي أو من صحف المقاومة.
والثانية هي التجربة والخطأ إذ صار الأسير يميز بين ما يمكن التصريح به والأسرار التي عليه عدم البوح بها، والمرحلة الثالثة هي الوعي المنظم الذي عرف فيه الفدائي عدوه والأساليب التي يتبعها وحيله.
أحس بفكره يقفز لا يعرف ما يريد، ولا يجد مرمى لتستقر أفكاره فيه، يعمل كشريط طبعت عنه نسخ عدة، شعر بتعب وإعياء، استعاد مجموعة المواقف والآراء، الآن تأكد بأن حياته بانوراما، لكنها منثورة أمامه وملتصقة بعقله.
شعر أنه يعيش نهايات حياته التي باتت بلا أمل، يودعها وهو جالس في محراب الوحدة ينتظر انشطار أحزانه وذاته وتبدد فعلها. هل هو إنسان بلا إرادة بلا مستقبل؟