تسع مرات ذهب إلى دورة المياه، شعر بنهايتها خروج مادة صلبة كحبة العدس، فتدفقت الدماء المختلطة بالبول. عاوده الارتياح واقترب من حالته الطبيعية. نقلوه إلى مستشفى"اسافا هاروفيه"، اجتمع حوله ثلاثة أطباء أقروا بأن حالته صعبة إذ تبين عجز الكلتيين اللتين تحتويان جهازين الأول لرشح البول والثاني لرد الراشح إلى مجرى الدم فالوريد الكلوي الذي يسمح لكل نافع بالارتداد. أما المعدة ففيها بعض القروح والالتهابات، إذ هضمت في يوم ما من أيام إضراب الستة وثمانين جدرانها وغشائها المخاطي، ومن هذه القروح والندب ما انتقل إلى الأمعاء وتحول إلى خلايا تتكاثر بشكل غير معقول، خلايا شخصوها بأنها سرطانية، إضافة إلى نزف في الكبد ساءت حالته يومًا بعد يوم حتى توقفت كليتاه عن العمل، وازدادت الآلام في المعدة والأمعاء والكولون ولم يعد وضعه الصحي يسمح له إلا بحديث قصير مع أهله. وصلت به الحالة إلى فقدان الوعي والرقاد. في حين أبطأت ضربات قلبه كثيرًا وتحول تنفسه إلى شخير، أما عيناه فقد ضاقت حدقتاهما.
شيء واحد شغل فكره، تلك التي حمّلها من العذاب ما لم تحتمله الجبال، لم تفرح به كبقية إخوته، حدق إلى وجهها وابتسم .... رفعته بين ذراعيها تحتفل أصابعها بطيات شعره، ينظر إليها ويخبئ رأسه في صدرها، ترفعه وتقبله قائلة"تسلم يمّا"هذا يريحه خاصة إذا اتبعته بمديح وبدأت تتغزل بعينيه. إخوته يعطونه شيئًا من مشترياتهم وهو لا يفعل سوى التدقيق في وجوههم والابتسام.
تهبه ابتسامتها وهي في أشد حالاتها حزنًا، تسكب دموعها وتقول هذه دموع الفرح، تخبره بأنها سعيدة وقلبها يعتصر ألمًا وحزنًا .... لا شيء دله على عظمتها أكثر من تمثالها الراقد داخله وما فعلته طوال إحدى وعشرين سنة. في كل زيارة يصير البيت مكانًا لعمل الفطائر والحلويات. لا تنام إلا بعد أن تنهي كل شيء. وعندما تضع رأسها على الوسادة تتذكر أشياء لم تقم بها وهكذا حتى الصباح حيث تمضي إليه.
الآن وهو ينظر إليها أدرك أنها يجب أن تكون آخر شيء يراه قبل أن يغمض عينيه، وضع يده على يدها، حركها ثم ضغط عليها وهو يتأمل ملامح وجهها ودموعها التي انسابت كالأردن، قال بينه وبين نفسه"سامحيني لم أسبب لك سوى الحزن"تخفي ألمها حين تلاحظ تمتمات شفتيه، تقربهما منه تقبله وتقول:
-ابتسامة منك يا حبيبي تعيد حياتي!