فهرس الكتاب
كنت أجلس في بيت الضيف نتحادث أنا ومحمد أحمد، حين قدم ساعي البريد سلم مدير بيت الضيف عدة رسائل وغادر المكان على دراجته مودعًا بعبارات المجاملة الرقيقة من محمد أحمد، قلب الرسائل ثم ناولني بطاقة ملونة.. كانت من نيلام كما توقعت، تستفسر فيها عن صحتي وأحوالي مع عبارات رقيقة تحمل في طياتها مشاعر الود، وتذكرني برحلة القطار الطويلة والأحاديث التي تبادلناها، وتطلب مني مراسلتها.. وذيلت البطاقة بعبارة (راكيش يذكرك كثيرًا وهو معجب بك) .
كنت ساهمًا شاردًا أستعيد في ذاكرتي صورة نيلام المشرقة والساعات التي قضيناها معًا حين نبهني محمد أحمد: -أرجو أن لا تكون هناك أخبار سيئة..
-إنها من صديق يعاتبني لأنني لا أراسله..
بدأ يحكي لي قصة عن أصدقائه وعدد الرسائل التي يتلقاها كل أسبوع، وغرق في تفصيلات شردت عن متابعتها وأنا أفكر ببطاقة نيلام.. كأن الفتاة ترغب فعلًا بصداقتي، ولم يكن لقاؤنا مجرد لقاء عابر.
-هي بهي آكيلا آب؟ (أراك تجلس وحيدًا يا أخ؟) .
كانت السيدة (أم موني) زوجة البروفسور زيدي.. جلست على الكرسي المقابل وهي تريح جسمها المتعب.. سألتها: -لم يعد (موني) بعد من الجامعة؟
-دروسه تمتد حتى المساء هذا اليوم، سيتغدى في الكلية.
ثم تابعت حديثها وهي تتنهد:
-الشمس دافئة هذا الصباح، أبلادكم باردة؟
-أشهر الصيف ثلاثة فقط، وأشهر الربيع والخريف جميلة جدًا.
-أتحب الخريف؟
-فصل له عذوبته.. لماذا تسألين ونحن على أبواب الربيع؟
-أكره الخريف كثيرًا، حينما كنت في لندن في سفارتنا هناك أجهضت ولدي الثاني في تشرين أول وكنت أراقب الأوراق الصفر وهي تتساقط من الشجر، لذلك أحس بالكآبة في هذا الفصل..
أقبلت على باب الحديقة ريكشا تقل فتاة شقراء ومعها حقيبة ضخمة وراءها.
-زائرة جديدة، ترى ما جنسيتها؟
قلت ضاحكًا: -ليست هندية طبعًا..
كانت الزائرة الشقراء فتاة كندية تشتغل بالبحث وتتقن الأوردو إضافة لثلاث لغات شرقية أخرى هي العربية والفارسية والهندية وأربع لغات أوروبية هي الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية.