فهرس الكتاب
كانت (مارسيا هرماتسن) في نحو الخامسة والثلاثين من عمرها عزباء، تتابع بحوثها في جامعة شيكاغو حول الصوفية وقد أتت الهند لنبش الكتب القديمة في مكتباتها والتعرف على منابع الصوفية الإسلامية فيها.. انضمت على العشاء وبدأت تظهر براعتها بالتحدث بلغتنا العربية وبلهجاتها المحلية في مصر وسوريا والعراق لم يخف (محمد أحمد) امتعاضه من وجودها بيننا وقال لي:
-إنها مدربة جيدًا، قدمت بتخطيط مدروس لسرقة مخطوطاتنا القديمة، ومكتبة (مولانا آزاد) مشهورة بمخطوطاتها الأثرية..
ورغم أنه كان كلامًا سابقًا لأوانه فقد دفعني إلى الشك بمارسيا خاصة حينما أوصلتها إلى المركز الأمريكي للمعلومات في دلهي الذي تقبض منه مرتبها الشهري ومكافآتها.. وحينما تأخرت في الداخل وكان السكوتر يقف على بعد أمتار من المبنى رغبت في استعجالها فدخلت اسأل عنها.. وحينما خرجت صاحت غاضبة:
-لماذا دخلت إلى هنا؟ المجيء إلى هنا ممنوع لأي أجنبي مهما كانت صفته..
نظرت إليها بعمق ولم أتكلم.. وكأنما أحسست بمدى ما تحمله نظراتي من اتهام صريح لها فسارعت للاعتذار..
-نبهني مدير المركز والموظفون فيه إلى ضرورة السرية في دخولي وخروجي، وأن لا أصطحب معي أحدًا..
لم أتكلم طوال الطريق وأنا أفكر بعمل مارسيا، رغم محاولاتها المتكررة أن تبعدني عن التفكير بالموضوع..
وفي نفس الليلة أدرت معها حوارًا حول الصوفية، اكتشفت من خلاله مدى ضآلة معلوماتها وهذا ما زاد من شكوكي بمهمتها العلمية، كما حاولت أن تفسر بها سبب وجودها في الهند.
رغم أن علاقتي بمارسيا لم تتعد علاقتي بأية فتاة أخرى، علاقة عابرة سريعة.. فقد.. تركت في نفسي أثرًا سيئًا عن أولئك القادمين من الغرب الذين يحاولون معرفة سر السحر الشرقي وسرقة آثاره وتزويرها وهذه قضية هامة جدًا.
أرسلت لنيلام رسالة رقيقة أحكي فيها شيئًا عن نفسي وحوت الرسالة عبارات الإعجاب بها وبشخصيتها.. ربما مجاملة لرسالتها ودعوة للاستمرار بالمراسلة.
كنت مشغولًا في الجامعة، وعدت تعبًا في ذلك اليوم الذي لن أنساه، كان يومًا ربيعيًا مشرقًا الطيور تغرد، والطبيعة مزدانة بالخضرة في حرم جامعة (عليكرة) الذي يعد من أجمل المناطق الجامعية، فتحت الباب وإذا برسالة موزع البريد داخل الغرفة، كانت رسالة سميكة من نيلام فتحتها بلهفة لأقرأ بذهول سطورها:
أغرا- في 22 آذار 1983
"عزيزي"