فهرس الكتاب
وفي الثانية كنت أستقل ريكشا في الطريق إلى المحطة، تعرفت لدى وصولي على (رعد) و (حسين) ، و (أسعد) ، و (هادي) و (إبراهيم) ، وكانوا عربًا يدرسون الهندوسية والعلوم في جامعة (اليغار) من البحرين والعراق... وكانوا يلتفون حول (مارسيا) . يتبادلون معها حديثًا عن المتاعب في الهند، خاصة والمحطة مليئة بالذباب وأفواج المنبوذين في كل مكان منها.. والروائح القذرة تكاد تزكم الأنوف... شاركتهم بالحديث وأمضينا وقتًا مملًا حتى حضر (لاسام ميل) ، الذي تأخر عن موعده لنحو الساعة. انتقينا أمكنة شاغرة في عربة الدرجة الثانية، وانزويت مع هادي الوديع وهو عراقي من مدينة البصرة يحدثني عن فينا (وهي فتاة من موريشيوس) تدرس الطب في جامعة دلهي وقد تدله بحبها، وبادلته الحب أيضًا. أخرج من جيبه لفافة صغيرة بها قطعة خضراء تبدو كقطعة حجر رسوبي صغير.أحرقها بعود من الكبريت ثم فتتها في التنباك الذي أخرجه من سيجارة بفلتر وبعد أن مزج الخليط جيدًا... بدأ يدخلها إلى ورقة السيجارة الملفوفة من جديد حتى أفرغها كلها ببراعة فلقد امتزج الحشيش مع التنباك جيدًا ثم أشعلها وبدأ يمجها بشغف وانتشرت الرائحة في المقصورة، رائحة جميلة، والدخان الأبيض الكثيف ينتشر معها. سألته: ـ أليس ممنوعًا تدخين الحشيش في القطارات هنا؟...
قال: ـ في الهند كل شيء مسموح به شرط أن لا تؤذي أحدًا.
ثم التفت إلي: ـ جرّبه، له نكهة جميلة.
سألته: ـ وما الذي يحدثه بك الحشيش من تأثير؟
ـ عندما (ننسطل) ننسى واقعنا، لو تعلم المتاعب التي نمر بها، الحرب مستمرة والقصف مستمر على البصرة ولا أخبار أو رسائل من الأهل ونتدبر أمر النفقات بصعوبة...
وشاركه (أسعد) البصراوي نفس الأحاسيس، ثم أردف يكمل حديث (هاري) : ـ"قد يبدو الحشيش حلًا للمشكلة ولكن قد يجعلك تنسى على الأقل".
كانت الحرب العراقية الإيرانية في ذلك الحين في أوج اشتعالها...
حزنت كثيرًا وأنا أتأمل الشابين اللذين يبدو أنهما في مرحلة ضياع حقيقي.. وشارك رعد وحسين في جزء من الحديث، وطالبت مارسيا بسيكارة حشيش جديدة لفها أسعد هذه المرة ببراعة...