فهرس الكتاب
ـ هل نحضر لك بعضًا منهم... إنهم صامتون حزانى على المرأة التي ماتت قبل الأوان، وكانت تتحرك من أجل الناس وحل مشاكلهم.
ـ وكيف ماتت؟
ـ ماتت وهي مبتسمة... سأريك وجهها إن رغبت...
ـ لا بأس يا بني.. أستطيع رؤية وجهها.
ـ انتبه وأنت تزيح الغطاء عن وجهها.
ـ انظر إليها. ألا ترى فمها الذي يسفر عن ابتسامة.
كان الأصغر يبكي:
ـ رحمتك الآلهة يا أمي..
هدأه الكاهن:
ـ لا يا بني، لا تبك. لا يجوز أن نبكي وننتحب على فقدان أحبائنا.. هذا محرم علينا.. مادمنا نودعها وهي في طريقها إلى الفردوس لتجتمع مع (برفاتي) فلا يجوز أن نبكي. يجب أن تفرحوا جميعًا، وهي تودعكم في طريقها إلى الفردوس... أو إلى جيل آخر تعيشه في مكان آخر، وهي أرقى وأسمى في حياتها الجديدة..
ـ اهدأ يا أخي أرجوك.
ربت الأخ الأكبر على كتف الفتى الصغير:
ـ سيدي الكاهن يؤكد على الصمت والحزن الدفين، دون بكاء أو نحيب.
ـ ردد وهو يهز رأسه:
ـ سأفعل.. سأفعل... آه... كيف أعمت الخمرة عيني أبي، حتى انهال عليها طعنًا بالسكين؟ هذا لا يصدق..
استأذن الكاهن:
ـ أترككم برعاية الآلهة..
ـ لن تباركها يا سيدي؟ سنغطسها في مياه النهر المقدسة؟
توقف قليلًا ثم قال:
ـ سأباركها الآن، ومساعدي سينهي الإجراءات الأخرى... هل كل شيء جاهز، لإتمام عملية الحرق؟
ـ نعم... نعم يا سيدي..
ـ لنتلو عليها صلاتنا الأخيرة...لرحمة روحها. أين والدكم؟ هل هو حي؟
ـ والدي متعب مريض... لا يستطيع أن يأتي. إنه مكتئب على رفيقة عمره..
ـ لا بأس... تهيأ ولنبدأ تراتيلنا...
ـ هيا يا أخي...لنضع جسمها على حافة الماء...
ـ وتابعت شرحي لصديقي عن عملية الحرق بعد أن استمعت لحوار الشبان والكاهن، سألني صالح:
ـ وبعد أن ينتهي الحرق؟
ـ يجمعون الرماد ويضعونه في قارورة معدنية، ويلقونه في النهر..
صرخت زوجة صالح:
ـ لا أستطيع أن أتحمل المزيد.
هدأها زوجها:
ـ سنذهب انتظري قليلًا...
رأيت بعض الناس يتجمعون حول جثة، هناك رجل يدير ظهره نحوي، أعرف هذا الظهر جيدًا.. سألني صديقي وقد وجد الاهتمام باديًا علي: ـ مابك؟
ـ سأقترب من هذا الرجل أنا أعرفه إنه يتأمل المحرقة.
كان قلبي يخفق بشدة وأنا أهمهم:
ـ اذهبا الآن، سألحق بكما في الفندق.. زوجتك ليست على ما يرام ياصالح..
ـ طيب..
ـ كنت أفكر وأنا أقترب من المحرقة وقلبي يضرب بعنف:
(( من يكون هذا الرجل الذي يبدو منظره أليفًا لي ) ).