فهرس الكتاب

الصفحة 1499 من 1574

_ هذا إطراء لا أستحقه ..

_ لا، بالعكس، زميلاتي يغتنمن الفرصة للقاء بك والاستمتاع بأحاديثك آه.. لا تنسى موعد رحلتنا غدًا إلى بلودان الثلج على ارتفاع نصف متر، ستكون رحلة ممتعة ..

_ أنا خططت للرحلة، كيف أفوتها علي ..

كانت السماء تمطر بغزارة، وحبات البرد تتطاير على الجدار الزجاجي كاللؤلؤ البحراني، وتعصف بأوراق الورد في الحديقة المنحدرة حتى الملعب البلدي، تذكر زميلته الخليجية التي نادرًا ما ترتاد هذا المطعم الذي لا يناسب ذوقها، أو على الأصح مكانتها كإحدى بنات شيوخ الخليج، رغم محاولاتها التمرد على تقاليد العائلة، والانطلاق بحرية غير مقيدة بأعراف القبيلة ..

انطلق القطار من محطة الحجاز متثاقلًا وعرباته القديمة تعج بالركاب والعائلات الذاهبة لقضاء يوم شتائي على ثلوج بلودان والزبداني، والبرد القارس في تلك المنطقة يتطلّب الاحتياطات الضرورية، والمعروف عن أهل دمشق محبتهم الخروج يوم الجمعة وقضاء الوقت بين أشجار الغوطة الوارفة الظلال أو على ضفاف بردى، ومرتفعات الضواحي القريبة.. لاتهمهم كثيرًا وسيلة النقل، من لا يمتلك سيارة خاصة، يستخدم شاحنة كبيرة كانت أم صغيرة، أو عربة يجرها حصان، ولكن القطار يظل مفضلا على غيره. يغادر المحطة صباحا ويعود مع المساء عابرا أهم المناطق التي يرتادها المستجمون.. وتذاكر الركوب تكلف صاحبها مبلغا زهيدا يكاد لا يذكر ..

والحقيقة كما فهمها من سائقه، أن ليس هناك أي مردود ربحي، بل أحيانا تتحمل الشركة خسائر تشغيله، كان يجب أن ينسق من سنوات طويلة، إلا أن الحرص على العاملين إضافة إلى الهدف السياحي وتقديم الخدمات الرخيصة للمحتاجين، أبقاه أسير سكة الحديد تلك .

توقفت الأمطار ليلة أمس ويبدو الجو صحوا، إلا أن الريح الباردة التي كانت تنفذ من النافذة الزجاجية التي لم يتم إصلاحها ربما منذ فصل الصيف، تكاد تجمد الأيدي العارية، وكان بعض الصغار في المقصورة التي تقلهم يلتصقون إلى جانب أمهاتهم يفركون أيديهم طلبا لبعض الدفء.. أما أفراد الشلة فلا يبدو عليهم الاكتراث، فمنذ أن جلسوا على المقاعد العتيقة التي توحى باثاريتها اخذوا يتمازحون ويضحكون، يصفقون ويغنون فالإثارة التي تحدثها المجموعة لا تترك أحدًا للهدوء وخاصة الفتيات الجميلات اللواتي أضفين جوا لاهيا ومرحا. وينتقلون من مقطع لأهزوجة ريفية أو أغنية لفيروز ومن لحن عراقي الى مغربي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت