فهرس الكتاب

الصفحة 1500 من 1574

والمسافة التي تقطعها السيارة بنصف ساعة أو اكثر بقليل، تحتاج من هذا القطار الأثري إلى ساعتين، ولكن الإحساس بالوقت غير وارد عند شباب منطلقين وعابثين.. عبر القطار وادي بردى فحجبت ظلال الأشجار الباسقة، والجبال الرابضة على جانبيه، نور شمس سرقت ريح شمالية قطبية أشعتها فأضفت العتمة جوًا غرائبيا دفع بانفعالاتهم إلى أقصى حدودها وارتفعت معها وتيرة الغناء لتطغى على ضجيج الحديد وصفارة القطار، التي تكاد لا تهدأ ما بين منعطف وآخر، وبلغ الصياح مداه بعد تجاوز النبع الأخضر و الدخول إلى سهل الزبداني الفسيح الذي غمرته ثلوج ناصعة البياض، انعكست عنها أشعة شمس شتائية فتراءت أشجار الكرز والتفاح و الأجاص و السفرجل العارية و المنتصبة على امتداده، كلوحة أسطورية تخلب الألباب. ساد الصمت وانحشروا جميعا على النوافذ الزجاجية عيونهم منبهرة بهذا المنظر الساحر الذي يراه بعضهم لأول مرة في حياته، ولم يعد يسمع سوى صرير العجلات وكلمة ياه المعبرة عن اندهاش كبير ..

سارع الجميع إلى القفز من العربة، بعد أن توقف القطار في محطته الأخيرة. وأخذ الشباب يلقون كرات الثلج على رفيقاتهم اللواتي رددن عليهم بسرعة، تراكضوا، لحق بعضهم بعضا، انزلقوا على الثلج الذي غطى نصف سيقانهم، كان لهوا رائعا ولكن عليهم أن ينطلقوا مشيا إلى قمة الجبل، قبل أن يذهب النهار فالطريق الصاعدة الى هناك ليست قصيرة ..

ولأن صاحبنا عاصم ملم بأمور الكشافة فقد قاد المسيرة نحو الجبل ..

لم يكن الصعود سهلا فقد ازدادت كثافة الثلج في خاصرة الجبل، وغاصت أرجلهم حتى الركب، والوصول إلى القمة بات أمرا مستحيلا، فاسترخى كل مع صديقته على البساط الأبيض، مسندين ظهورهم على الصخور البارزة المبعثرة بلا انتظام، حيث الصمت و السكون يلف المكان وليس غير الأنفاس اللاهثة التي سرعان ما تتكثف متحولة إلى رذاذ ثلجي، إحساس غامض بالغبطة تدل عليه ضحكات جذلى يتردد صداها حتى المدى البعيد.. لا يدري كيف طوق ظهر صديقته بيده عابثا بخصلات شعرها الحريرية، وهي مستكينة إلى جانبه كحمامة أموية، وبدا له أنها تنتظر المزيد و قد تخيل حرارة جسمها اللافحة في هذا الجو الجليدي مختزلا حرارة صحراء الخليج و الربع الخالي معا .

إلا أن ثمة هاجسا داخليا، كثيرا ما يمنعه من التعبير عن عواطفه الجياشة مع صديقاته اللواتي كثيرا ما ضقن ذرعا به..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت