فهرس الكتاب
ليترك الأمر للظروف، لن يصعب عليه إيجاد الحلول عند كل عقدة تواجهه ..
أحسَّ أن الكلمات تخونه، وهو يحاول أن يكتب رسالة لوالده، يخبره فيها بتخرجه من الجامعة، وعزمه على الالتحاق بالدراسات العليا، وهو يعلم تماما أن أهله ينتظرون عودته بلهفة وشوق، ولا يمكن قبول أي مبرر يتذرع به .. والعودة غير واردة في حساباته في ظل ظروف الأحكام العرفية القاسية، ومعظم الأسئلة التي توجه لزملائه العائدين تكاد تنحصر بنشاطاته السياسية والنقابية ودوره في التنظيم الطلابي والحزبي، رغم أنه كان ملاذا لكثير من أبناء المحرومين من فرص متابعة تحصيلهم العالي في بلدهم .
لم يقصر يوما في تقديم مساعدة، أو تلبية حاجة وكان موضع احترام أينما ذكر اسمه، وربما ذاك كان سببا في مضاعفة لؤم الأجهزة المعنية ضده .
ماذا يكتب لأبيه ولأمه؟ لا عذر لديه.. فقد مرت سنوات ثلاث دون أن تتاح له الظروف بالعودة الى بلده وكيف الآن وهو في موقع قيادي. أن الأمر محسوم بالنسبة إليه، سيغضب والده كثيرا وستبكي أمه وستعتب أخواته، ولكن فرحهم بحصوله على الشهادة الجامعية و استكمال دراسته العليا سينسيهم ذلك .
لا ضرورة لكتابة رسالة، غدا يذهب الى بيت أحد أصدقائه ويتحدث معهم بالهاتف ويخبرهم بكل ما لديه.. وضع القلم جانبا، وأغلق دفتر الرسائل، ونهض متثائبا متعبا واستغنى عن صنع فنجان شاي أو قهوة، واكتفى بقضم قطعة من الشوكولا قدمتها إليه أميرة، و قبل أن يستلقي على سريره سمع قرع جرس الباب الخارجي رغم أنها ساعة متأخرة من الليل وقد أصبحت عادة غير مستغربة بالنسبة إليه فالوقت غير محدد بالنسبة له ولرفاقه وخاصة صديقه نزيه.
فتح الباب بهدوء مُرحبا بصديقه نزيه .
نزيه الشاب الذي التحق بكلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق بمنحة حزبية، وتخرج منها بتفوق وجد من واجبه أن يخدم في مؤسسة حكومية سنة أو سنتين، وبمبادرة شخصية عمل في قسم الإنشاءات في محافظة دمشق، وعين مسؤول على قطاع الأبنية والجسور والطرق، بعد أن توسم فيه محافظ المدينة الحرص والإخلاص لعمله الفني، كسب ثقة مرؤوسيه خلال فترة قصيرة من عمله ..
-أهلا ، أهلا ، لابد أن لديك شيئا نأكله ..
رد عليه عابسًا على غير عادته .
-أي أكل، أي بطيخ.. أنت وين وأنا وين ..
سأله ضاحكا:
-خير إن شاء الله خير.. !
قال نزيه والغضب واضح على قسماته:
-أتعرف ماذا جرى معي الليلة ..؟