فهرس الكتاب
كان صالح أكثرهم صخبا ومدعاة للاستفزاز، يعتقد أنه يملك الحقيقة وحده، وعندما يواجه بردود مفحمة على مغالاته في استخدام الكلمات النارية والعبارات الثورية، وتنظيراته حول ضرورة حرق المراحل، يركن للصمت، ويترك لزميله يوسف فرصة لإعانته في تخفيف حدة الكلمات والمواقف التي تقود في حالة التمسك بها إلى تفجير الائتلاف القائم وتحميل الطرف المتسبب مسؤولية ذلك.. وعلى غير العادة اليوم. لم تتحدث سلوى، ولم تعلق على مداخلات زملائها كان ثمة حزن مرتسم في عينيها رغم محاولتها إخفاء ذلك من خلال تصنعها الإصغاء للآخرين، والعبث بأوراق وردة بين يديها، الإشاعات تطالها في الوسط الجامعي، وحتى بين زملائها المقربين، يقال.. أن زعيمًا فلسطينيًا يهيم بها، وينوي الزواج منها، والبعض يدعي أنها تحب شابًا آخر. هو لا يعرف حقيقة ذلك وهي لا تفصح أو تلمح عن عواطفها الحقيقية. تبدو مهمومة وشاردة، ليس من اللباقة أن يسألها سبب ذلك ربما يجرح كبرياءها.. وهي لا تسمح بذلك أصلًا ..
لم يكن يصغي لحديث زميله ميشيل حول الديمقراطية، وضرورة ممارستها في المؤسسات الشعبية، كان يفكر بشيء آخر بعد أن مضى على اجتماعهم أكثر من ساعتين وساد جو ممل ومضجر دفع البعض إلى التثاؤب وأخذ يبحث عن كلمات موزونة لعله يوفق في صياغة بيت من الشعر أو النثر، يدفع به أمام زميلته السارحة، يعيدها من شرودها ويبعث شيئًا من السرور في قلبها، وخربش كثيرًا على الورقة أمامه، حتى وجد ما ضحك له في قرارة نفسه، وكتب بخط واضح وكبير.. طوقيني، أعصريني، قطريني، فعلى ثغرك نضجت حبة تين.. ولم يكد يكمل ذلك حتى ضج مازن بالضحك بعد أن قرأ ما كتب دون انتباه منه، وحمل الورقة ووضعها أمام سلوى التي ما لبثت أن افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة اتبعتها بضحكة عالية، والآخرون ينظرون باندهاش بعد أن انقطع النقاش، ولم تترك مجالًا للتساؤل فقرأت العبارة المكتوبة بصوت عال، غير الوجوه المتجهمة فورًا وأخذت التعليقات المازحة تنهال على سلوى التي تقبلتها بترحاب وارتياح ..