فهرس الكتاب

الصفحة 1518 من 1574

في نهاية الاجتماع شدد فواز على دعوتهم للغذاء في شقته القريبة، كان مبادرًا دائمًا في إكرام زملائه القادمين من خارج بيروت، عادة متأصلة فيه ورثها عن والده شيخ العشيرة الكبيرة المعروفة، الذي حافظ على تراث الأجداد وأعرافهم، وحرص على تمثل أبناءه بقيم النخوة، والشهامة والكرم، رغم ظروف الحياة المختلفة وتطور العلاقات الاجتماعية. حتى إن فواز نفسه كان يمتعض من مناداته باسمه دون أن تسبقه صفة الشيخ الذي يعتقد أنها مسألة لا تقبل النقاش وحق مكتسب لا يجوز التفريط بها أو التنازل عنها رغم السنوات الطويلة التي عاشها طالبًا في جامعة بيروت العربية، وفي مدينة صاخبة كبيروت، تصهر في داخلها كل ما هو قديم، ومتوارث، وتحوله إلى أنماط جديدة من السلوك وطرق الحياة.. ومسألة الاعتذار عن دعوته غير واردة خاصة وأن إقلاع طائرته المغادرة إلى القاهرة في ساعة متأخرة من الليل..

رتب أوراقه في حافظته الصغيرة، و تبادل أطراف حديث ضاحك مع زملائه، ولكن فضوله دفعه وهم يغادرون قاعة الاجتماعات لدعوة سلوى على فنجان قهوة في الكفتيريا القريبة، وقضاء بعض الوقت قبل الذهاب لدعوة الغذاء.. بادرها متسائلًا ودون مقدمات والنادل لم يقدم فنجان القهوة بعد:

-أراك حزينة اليوم على غير عادتك، رغم محاولتك إخفاء ذلك، خير إنشاء الله..؟

أزاحت حقيبتها من أمامها، واتكأت بمرفقها على الطاولة وقالت وكأنها وجدت مجالًا للبوح بما في نفسها ..

-أراك شديد الفراسة يا عاصم حقًا إنني مكتئبة ولكن الجو الذي ساد اجتماعنا أخيرًا أراح أعصابي بعض الشيء ..

-لابد أن هناك شيئًا يضايقك، لا أحب أن أكون فضوليًا، ولكن يمكن أن نناقش الأمر، إن كان خارج الحدود الشخصية..

-لا، المسألة ليست شخصية ولكنها تتعلق بصديقتي نهاد ..

-وماذا عنها ..؟

-تعرف أنها تخرجت صيف هذا العام من الجامعة، وشعرت بفراغ كبير بعد عودتها إلى الأردن، لم يمض على ذهابها سوى شهرين.. وصلتني رسالة منها صباح اليوم عكرت مزاجي كله .

-"خير إنشاء الله ما في شيء".. مجرد حديث عن الذكريات ؟

-الذكريات تبعث دفئًا في النفس ليس هذا هو المهم، تصور يا سيدي كم تتعذب نهاد، والدها يريد أن يفرض عليها الزواج من ابن عمها، وهي تحب شابا آخر المشكلة الأكثر غرابة أن ابن عمها الحاصل على الدكتوراة يعرف أنها لا ترغب به، ولكنه يصر على الزواج منها ..

-لكن والدها نال قسطا من التعليم أيضا، كيف يلزمها بذلك ..؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت