فهرس الكتاب

الصفحة 1541 من 1574

مرت الدقائق ببطء ثقيل، و هو يقف منتظرًا يمسح الشارع الطويل بعينيه لعله يلمح قدومها من بعيد، بوجهها البهي كوردة شامية اغتسلت لتوها بالندى الليلي.. أي لهفة تلك التي تحرق جوانحه شوقًا للقائها؟ لقد استعجل قدومه فهي لم تتخلف عن موعدها المعتاد بعد.. لماذا سميت هذه الساحة"برج الروس"؟ كثيرًا ما سأل عن سبب التسمية وكانت إجابات مختلفة، ولكن يبدو أن أصدقها من قال له، بأن هولاكو المغولي سفح الكثير من دم رجالها و نصب هرمًا من رؤوسهم في هذا الموقع، لمقاومتهم الباسلة لعدوانه و احتلاله لمدينتهم .

من الأنسب أن يغير اسمه.. ليسمونه بموقف الأميرة أو الملكة هذه صفة أجمل وأحلى.. ماذا لو قدم اقتراحا بذلك لمن يهمه الأمر ؟ هذا سخف، فمن المستحيل أن تلغي واقعة أليمة من الذاكرة الشعبية، أجيال كثيرة تعاقبت على مدى قرون طويلة تختزن هول واقعة تاريخية نفذها سفاح متعطش للقتل و التدمير.. ما الذي دفعه مع جموعه المتوحشة لقطع كل تلك المسافات الشاسعة على ظهور خيلهم إلى هذه المنطقة التي احتضنت الحضارات الإنسانية ليعيثوا فيها فسادا وخرابا؟ قيل له: إن ياسمين دمشق لم يزهر و وردها لم يتفتح طيلة وجودهم القصير على أرضها، كلعنة الاهية على فسق السلاطين وانحرافهم قد تكون أسطورة تروى ولكن دلالاتها عميقة.. لم يترك المغول على أرضها أي أثر غير اسم هذه الساحة الذي يذكر بدمويتهم ..

دب القلق في قلبه.. ليس من عادتها أن تتأخر عن جامعتها، فهي حريصة لا تفوت موعد محاضرة لها.. لم يبق أحد تحت مظلة الانتظار سواه، والحافلات تأتي نصف فارغة وقد أتعبه الوقوف لساعة أو يزيد.. لا بد أنه ملفت للنظر، وبخاصة اولئك الذين يحتسون قهوتهم الصباحية على شرفات بيوتهم في البناء المقابل.

كلما ظهرت واحدة قادمة من بعيد ظنها هي، و لكن سرعان ما يخيب ظنه فتمضي عابرة في طريقها أو تستقل سيارة متوقفة بانتظارها، أو تصعد في حافلة الركاب الكبيرة الذاهبة إلى وسط المدينة.. هل يذهب إلى الكلية و ينتظرها هناك، وعندما تأتي ستعرج في طريقها إلى المقصف الجامعي كعادتها لتناول كوبٍ من الشاي وسندوشتا من الجبن، أو تشرب فنجانا من القهوة.. ليس من اللياقة أن يقف كل هذا الوقت كشرطي المرور، ليصعد إلى الناقلة القادمة و ينتظرها في المقصف لعلها تكون هناك بانتظاره تحجز الطاولة في الركن المشرف على أشجار الحديقة قبل أن يشغلها زملاء آخرون ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت