فهرس الكتاب
في لحظات ما يفقد السيطرة على نفسه، فما أن لمحها تجلس شاردة على الطاولة المعتادة، وهو يدخل من باب المقصف حتى كاد يتعثر بأكثر من كرسي في طريقه، إلا أن ضجيج الطلبة في الصالة الواسعة أخفى صوت ارتطامه، و لم يتمالك نفسه و هي تقف لتصافحه بابتسامتها الساحرة فضغط على أناملها الناعمة كزهر الياسمين الشامي، و قبلها على وجنتيها دون أن يعي إحراجها أمام أعين زملائها و زميلاتها المندهشة من جرأته المفرطة، ولم يلق بالًا للتعليقات الودودة التي سمع بعضها و هو يقول لها:
_ اشتقت لك كثيرًا.. كيفك أنت، لا أتحمل الغياب عنك..
لوَّن الخجل وجنتيها بحمرة الورد وقالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها ..
_ امسك نفسك، الكل ينظر إلينا، أنا مشتاقة أكثر .
_ لم أستطع ضبط عواطفي.. لا يهمني إلا أنت..
_ كل يوم أجلس على نفس الطاولة، و أفضل أن أكون وحيدة، أحاول أن أشغل نفسي بتبييض المحاضرات، و لكني حقيقة في مكان آخر ..
_ لم تغيبي عن ذهني يومًا أنت معي دائمًا ..
_ وصلتني بطاقتك أمس، كم أفرحتني كلماتها، لا أعرف سر ذاك الحنين العاصف إليك طيلة غيابك ..
_ صدقيني أحيانًا أسأل نفسي هل هناك من أحب مثلي، أنت عالمي كله، من خلالك أراه ..
ضحكت:
_ ليس إلى هذا الحد، أحيانا أراك شاعرا مشحونا بالعواطف، و أحيانا طفلا مفعما بالحيوية و اللامبالاة، و أحيانا أخرى مناضلًا منفيًا تشغله السياسة عن كل شيء ..
_ إلا عنك
_ كان أسبوعًا قاسيًا عانيت كثيرًا من أجلك..
_ ما الذي حدث أخبريني..؟
_ تحدثت أمي بموضوع خطبتنا مع أبي الذي رفض الأمر بشدة و صرخ بوجهها كيف أقبل خطيبًا لابنتي لا أعرف عنه شيئًا، و تتالت أسئلته الغاضبة، كيف تعرف عليها.. ماذا يعمل ؟ من أي بلد هو ؟ ما هو وضعه المادي ؟ و عندما أجابته أمي بأنه موظف يحمل شهادة جامعية و وضعه المادي لا بأس به.. أقام الدنيا و أقعدها على رأسها.. و هل تقبلي بتزويج ابنتك لموظف دخله لا يكفي لشراء فساتينها ؟ ألن تفكري أن تنزعي هذه الفكرة من رأسها ؟ لو لم تكن موافقة لما بحثت معي هذا الأمر.. ما زالت طفلة لا تفهم ما هي الحياة.. انسي هذا الموضوع، لا اخطِّب ابنتي لموظف ..
نشف ريقه في حلقه و لاحظت شحوب وجهه و هي تتابع حديثها فاستدركت:
_ ماذا أصابك لم أكمل حديثي بعد.. البداية قاسية و لكن النهاية جميلة ..
كانت عبارتها الأخيرة كرافعة انتشلته من بئر عميقة .
_ أخفتني، حياتي كلها معلقة بك ..