فهرس الكتاب
أخذ الجو يميل للبرودة، فأغلق النافذة، تحول الرذاذ إلى مطر خفيف، سالت قطراته على زجاجها بخطوط متعرجة، تساءل بسذاجة، لماذا لا تنحدر بخط مستقيم.. وجد تفسيرًا بالغبار المتراكم على سطحها و الذي لم ينظفه أحد منذ أيام طويلة.. عاد للجلوس إلى مكتبه.. لماذا يفسد هذا اليوم الجميل الذي انتظره طويلًا للخروج مع حبيبته الليلة، و إن كان يتمنى لو كان وحدهما فقط، و لكنه مضطر لدعوة زميله و زوجته القادمين من بيروت فأصول الضيافة تفرض ذلك ..
لم يكن اختياره لكازينو الوادي الأخضر في الربوة عبثًا، فمربعه الصيفي في الهواء الطلق كان يسمح له بالسهر مع أصدقائه وصديقاته دون أن يكلفهم الكثير ما دامت طلباتهم لا تجاوز زجاجة بيرة، وبعض صحون البزر والفستق، و تحت القبة المحبوكة من أعواد النخيل والقوص، يرقصون دون تعب، يثرثرون ويتمازحون حتى أواخر الليل، ويعودون إلى بيوتهم ليستغرقوا في أحلامهم الجميلة ..
أما هذه الليلة فالوضع مختلف، فهو يصطحب خطيبته معه لأول مرة و كم منى نفسه أن تكون ليلة لا تنسى.. قد لا يستطيع أن يبثها عبارات الغزل و الحب أمام صديقه و زوجته، و لكن عندما ينفردان في الرقص فسيهمس بأذنها ما لم تسمعه من قبل، و يبوح لها بما يحس.
هي لا تدرك أن عاصفة نارية تجتاح كيانه كلما التقى بها أو جلس معها.. لا تعرف أنها تحيله إلى شعلة ملتهبة لا تنطفئ.. أما الليلة فعليه أن يحافظ على وقاره.. لا يمكن أن يسمح لنفسه أن يبدو كطفل عاشق .
كانت الفرقة الموسيقية تعزف ألحانًا هادئة وهم يتحدثون بمواضيع مختلفة اجتماعية و سياسية و ثقافية، و أن تكن الحياة في دمشق أخذت الجانب الأهم فيها، فزوجة صديقه التي مازالت تدرس معه في الجامعة نفسها تمنت لو تستطيع أن تستقر في دمشق و تمضي حياتها كلها فيها.. قالت بحسرة أنها تفتقد هذه الأجواء الجميلة في مدينتها ..
شعرت أميرة باعتزاز و استرسلت في وصف معالم مدينتها الرائعة التي لا تضاهيها أية مدينة أخرى ..
كانت الأضواء الخافته تحجب وجوه الساهرين و بالكاد تظهر ملامحها، و أخذ الإيقاع يشتد مع الصوت الجميل لجوني سالم الذي بدأ بأغنية"خذني بعيدًا"والضوء الساطع الذي سلط عليه عكس تعبيرات وجهه المعبرة عن استغراقه بمعاني عباراتها الجميلة، فدفعت بالعشاق والمحبين إلى حلبة الرقص التي غصت بالأجساد الهائمة، دعا خطيبته لمشاركته وقبل أن ينهض عن كرسيه سأله مازن باستغراب:
_ أليس هذا أبو النوف ..؟