فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 1574

ثمَّ أخذ يشرح لي نظرية فيلسوف نباتي معاصر. حلّل فيها طبيعة الإنسان إلى صنفين: صنف دموي نزاع بميوله النفسية إلى الشر والعدوان. بسبب أنه حيواني ـ أي من أكلة لحم الحيوان ـ وصنف رحماني، يهدف بسلامه النفسي للخير والسلام لأنَّه نباتي ـ أي من أكلة النبات ـ... وبعد أن سكت اعتلت وجهه غيمة غضب، ولا أدري كيف تداعى لذهني مباشرة تقسيم العالم إلى غرب وشرق.

فنطق: (( صح. صح الغربي حيواني. والشرقي نباتي ) ).

وأوضح ما كنت فكرت فيه. ثمَّ هدر: الفجر الأقدس كان قبل الطوفان. كان الإنسان خيّرًا نقيًّا.

ثمَّ تحركت فيه نوازع الأنا فاعتدى على غيره، وعلى جنسه. فحلّت المأساة وجاء الطوفان. وعاد الخلق وللآن لم يرعو.

أخذ نفسًا، وتابع بغيظ (( أودَع الإنسان الغربي في ذاكرة التاريخ الحديث حربين عالميتين مدمّرتين. لا يفصل بينهما سوى عشرين سنة، وسفك فيهما ملايين ملايين القتلى على ظهر هذه الأرض العجوز ) ).

وصمت. وسكن المكان.

عجيب كيف له هذه القدرة الخارقة على خلق الصمت. وأنا صرت بدوري مأخوذ به عاد ونظر إلي مشفقًا.

نطقتُ بتشجيعه: (( قيام حروب(الغرب) هذه وأنهار الدماء التي دعجت تمّت بفعل قانون (أكل اللحم) !... )).

طامن برأسه: نعم/ بل شدّد بنطق هذه الكلمة.

جال في خاطري عندما كنت أجوب الأرض الرعوية، الواقعية في التخوم الجنوبية، بحثًا عن الكمأة، بعد أن تركته وتركت المدرسة، وشاهدت بركة ماء تآخت حولها الطيور والحيوانات. تأكل وتشرب بسلام، إلا ذاك الذئب المفترس.

ندّ من جهته، صوت:

(( المفترس هو المفترس. هو الذي يفترس مخلوقًا آخر، سواء أكان إنسانًا أم ذئبًا ضاريًا؟ ) ).

هنا فطنت: (( ظهرت جماعة من الزهاد في الغرب، فرزتهم حضارته وعاشوا على هامشها ) ).

لاح طيف ابتسامة نائسة على شفتيه. ثمَّ انفرجتا: (( تعني الهيبيين ) ). هؤلاء متصوفون أرضيون، ماديون ووجوديون. لا يعرفون التصوّف الحقيقي، ولا بما تعنيه الزهادة الروحية من تقوى وفضيلة وصلاح. بل يستعملون ما يدّخرونه من احتياطي جنونهم، في إبطال مفعول العقل السليم. ويدفعهم هذا الأمر، بالتالي إلى سلوك عابث، في حياة ماجنة مقرفة... أهذا زهد... )) ؟.

ثمَّ استدرك: وأما أولئك المستغربون الذين ينتحرون بالسيف (السامورائي) وبطريقة (الهاراكيري) يرتمي الواحد تلو الآخر. فأي زهد في هذا الجبن؟ في هذا الهروب؟

ـ (( ) )/ فترة سكوت وراحة سادت بيننا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت