ثمَّ لا أدري كيف كسرت رهبة هذا الصمت. وتلجلج لساني باستحياء: (( أنت رجل(شرقي) صيني )).
حدّق إليّ: (( ليتني أكون من أهل تلك الصين ) ).
وكاد يشرق بدمعة. بيد أنه عاد وفطن: (( الصين الجوّانية لا الصين البرّانية ) ). صين هذا الزمان. بدوري رحت أحتمي بسكوتي المفضل، وأنا أفتكر. بل كأنني أصبت بدوران الذاكرة. فعدت إلى سني حياتي الأولى، فحين كنت طفلًا، كانت المرحومة جدتي (هدية) تحدّثني عن سكان تلك الصين، الصين الجوانيّة وفضائلهم وأخلاقهم: هم من أهل الخير. كلّهم أناس طيبون، أخيار، أتقياء. وكل من يصفو في عالمنا البراني هذا ينتقل إليها، بعد الموت )) .
كم كان يشوقني حديث جدتي هدية عن هذه الصين الخيّرة فاستقبله بحواسٍ متوهّجة، حتّى صرت أتمنى أن أترك، باكرًا حياتي المعطوبة هنا وأنتقل إلى حيث يعيش (( أهل الخير ) )المشمولين بالرعاية والكلاية من لدن العناية الإلهية. أعيش معهم. وأسوّي مثلهم مساكن الريحان والزعفران، وأعيش هناك حيث اللازمان واللامكان. أندمج في روح الكون الأبدي دون نهاية. وهكذا لم أعد أخشى ممَّا وراء الموت. بل أضحى الموت عندي انتظارًا. وكأني معه، على موعد ساحر.
قاطعني: (( صح الموت بحقيقته انتظار عودة ) ).
سكت سبحان الله! استشفّ ما تمتمته في داخل نفسي.
حين عدلت عن مغادرة المعبد. فطنت. وقلت: (( أيوجد هنا ماء يا... سعيد ) ).
وابتسمت لترديد اسمه منفردًا.
نهض: (( تعال ) ).
قادني من يدي إلى مغارة، خارج سور المعبد. شاهدت في وسط المغارة حوضًا مملوءًا بالماء. السقف يرشح بنقاط متتابعة، متلاحقة، بانتظام تصلح لتكون ساعة مائية.
ـ (( هذه مغارة النقاطة) ولها قصص عجيبة، مع عابد سابق. ومن الصعب المستصعب أن تصدق. إلا عند ذوي (( التجاوز ) )، والكرامات. خلاصتها: حدث انبجاس نقاط الماء من السقف، كرامة لذلك العابد. بعد أن انقطع هنا للعبادة.
ثمَّ كفّ عن الكلام. ألححت عليه أن يسرد لي قصة ذلك الناسك الفاضل بالتفصيل، أبى لقناعته أنني ما زلت من أهل الشك لا من أهل التجاوز، على حد تعبيره بالذات...
ـ (( أنت ما فتئت تقع تحت خط اللون الأزرق. أي لا تؤمن بالانفكاك من قوانين كينونة المادة ولا بحضارة اللدن ) ).
فدفعت بفضولي المعروف، لأتعرّف إلى ذاك الأمر الذي يعنيه ويرمي إليه.
ـ (( سبحان الله! هل رأيت كائنًا يخرج من قيود(المادة الفيزيائية) : المكان والزمان؟ أنا آمنت ورأيت هذا الكائن العلوي...؟ )).