وبعد أن سكت قليلًا، استأنف: (( الخلاصة في هذا الصدد أن هذا الكون الأرحب باتساعه ووجوده المطلقين، لا يحدّ بثلاثة أبعاد أو أربعة:(طول، عرض، ارتفاع، وسرعة الضوء ـ النسبية) . بل له أكثر من عشرين بعدًا والحبل على الجرار )).
وهنف بضحك خفيف. ثمَّ تابع: ماذا نقول في كوكب انفلت من مساره وحطّم ناموس المدارات؟... والإنسان بحد ذاته كوكب يحلّق فوق الأرض نحو الزرقة بعد أن يصبح عارفًا بالله. والعلم لديه حضور دائم، دون حزن ماضٍ ولا خوف مستقبل... نعيم... نعيم...!.
تكلّمت وأنا مطبق شفتي: قرأت في قصة إبراهيم أن النار المحرقة أضحت بردًا وسلامًا على عارف بالله، منذ آلاف السنين. أوعل عينيه بي.
ـ أف...! أراني قد تصدع رأسي. إن ما كان قد سكبه هذا العابد في ذهني. في هذه الجلسة الشاقة شيء يفلق الجبل لا الرأس! هأنذا قد مللت وكأنني صرت أجلس بين يديه دون نيّة. عسر فهم اعتراني. ودارت بي الأخيلة. بل أنا الذي درت بها. حتّى غيَّبتها. أو غيَّبتني في غياهب عوالمها.
حقيقة الحياة غيبوبة وليست نشوة شحاذة، يطلبها المرء، وهو يقف في ركن معتم قصي من كرة الكون المطلقة!
حين نظرت، افتكرت واعتبرت.
المكان بناء على رابية. هذا غير الجبل، بل هنا قصر. لا معبد. قصر مشيّد جميل، يستقبل، بشرفاته، الشمس المجيدة كل صباح. وفي الليل يغمره عطر مقطّر من ورد النجوم...
تشمّمت الهواء الطازج وتقدمت: البناء واسع. شكله أثري. يعود تاريخه إلى قرابة ثلاثمائة سنة.
ظهرت عليه كل معالم الثراء، والجاه، والحكم.
ـ هل أنا أمام سراي، لولاية عثمانية؟
أنعمت النظر في الرجل الذي قابلني في مدخله. هو نفسه بتلك الابتسامة النيّرة المشرقة والنبرة العذبة الندية.
ـ (( كنت في مقابلة....) .
قاطعني: (( الشخص واحد ) ).
منذ زمن لم أشهق مثل هذه الشهقة!
ـ (( وأنت الشـ... سعيد ) )؟.
نعم أنا الذي كنته وهو الذي كانني )) .
استرعت انتباهي كلمتا: (( كنته ) )و (( كانني) . يا للعجب! كم سأقف على غرائب في رحلة مقابلتي هذه، التي اخترتها لنفسي طائعًا. بل اختارها لي حلمي. حينما أيقظني الشيخ ذو الثوب الأزرق وقال لي: تعال إليَّ واترك بلاد غربتك. فتركت بلاد المهاجر وقدمت. لا سأثابر.
تابع وكأنه يشرح لي هذا اللبس: الجلد، الجسم، مثل القميص الذي نرتديه، ثمَّ يستبدل بآخر...