فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 1574

وبين أيضًا أن ثمة من يجمع عنده المسلكين الاجتماعي والتنسكي الانقطاعي. (( فالسيد المسيح عليه السلام انقطع في مرحلة عمره الأولى، قبل أن يبدأ جهاده بين الناس، خمس عشرة سنة، في الجليل ثم باشر في المرحلة الثانية. وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، انعزل في غار حراء، قبل أن يبدأ بالدعوة ) ).

لمعت في ذهني أفكار شتى، من خلال ماسمعت، أجل أنا لست صفرًا في الثقافة:

- (( أنت تريد أن تنزل على سطح هذه الأرض. مدينة أفلاطون الفاضلة. تنقلها من واقع الأحلام إلى واقع هذه الدنيا ) ).

أشرق وجهه. وعمق نظرته تحت حاجبيه الكثيفين كأنه يريد أن يثني عليّ، لهذه المعلومة، ثم أسند رأسه بأصابع يده اليمنى على مهل كالعادة، كمن يتذكر.

- (( أنطق: (( كنت أبحث عن ذاك الـ(أفلاطون) ؟ )).

ابتسم ونطق هو بتؤدته المعهودة. وقد اكتسب صوته بحة مؤثرة: (( إذا ما طبقت أحكام مدينة أفلاطون تلك. يعيش المرء في جنة، طبعًا جنة القيم والمعاني والفضائل المستجنة بأهلها كالسور.... ) ).

وتابع بعذوبة: (( وجنة الكوثر والفردوس ) ).

من جهتي تابعت معه طالما أنه يرضى عما أقدمه: (( وجنة أنها.... ) ).

أوعل عينيه وقاطعني: (( أعتقد ذلك همس غواية/ وسكت على مضض.

وأراني لفظت: (( ولكن ما السعادة يا ) )؟..

- (( سعيد ) ). ذكر عني اسمه وتابع يشرح السعادة ومعناها. أسهب وكأنه مأخوذ بفيض خاطر، حجز في داخله...

ثقل رأسي. لم سألته؟

- (( ... والسعادة القصوى. أو ما تسمى بالسعادة الأبدية. هي التي لا تحقق إلا في الحياة الآخرة، عن طريق قهر السعادة في الحياة الأولى، الحياة اللا شيء. وقهر سعادتها لا يتم إلا بقهر الجسد بشهواته وغرائزه ) ).

ثم فرجت، فأراحني أخيرًا من درس صعب، حين نهض ومشى في ردهة صالون القصر. شاهدته تمامًا في (( قميصه ) )الراهن هذا:

الرجل في مرحلة الكهولة المتأخرة. منتصب القامة، فارع الجذع. ضامر الخصر، رقيق البشرة، هيكل جسمه جد نحيل. رأسه الكبير مكسو بشعر مهدل. يميل لونه إلى الغبرة تغمر قوام عظامه الطويلة بذلة فضفاضة من طراز (طقم إفرنجي) أزرق. قد بانت تحت ذقنه ياقة مفتوحة والعقدة لم تكن محكمة الربط فهو يهمل هندامه وشؤونه الخاصة....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت