فهرس الكتاب
حين أخذني بيدي إلى غرفة خاصة، من غرف هذا القصر العريق. تعجبت!... رأيت فيها جمجمة رأس آدمي موضوعة على طاولة خشب قديمة، من نوع (طربيزة) ، كشارة للموت أو تذكرة به. ورأيت أيضًا أثاثًا بسيطًا جدًا منه: جرة فخار للماء، صحون خزف، فتات خبز يابس، بقايا أطعمة بقولية: فول حمص، عدس، خضروات...
الرجل نباتي مثل أهل الصين!...
وثمة ركن فيه بساط عتيق، وسجادة صغيرة.
لِمَ...؟ /نبست.
- (( لممارسة طقوس عباداتي يوم الجمعة... لي في هذا اليوم طقوس عبادة خاصة، في تصفية الرأس -الذهن-، وتنقية النفس. وبالتالي تحرير روحي من سجن جسدي.. من أجل نيل سعادة قصوى ) )..
ودرس جديد عن تمارين الـ (اليوغا) ، التي تروض النفس على التأمل الخالص بمرافقة فعالية عقل حيوي. قال: (( تمارين اليوغا، رياضة روحية بحتة. تعمل على تحرير الإنسان من أجل (( المشاهدة ) )وهذه هي السعادة القصوى وغايتها. وهي لا تتم إلا بعد انعتاق الروح ورفع الحجاب... )) .
أُراني ما الذي يرقص قلبي الآن، نحو ذاك الفضاء؟.. بل كأنني صرت أهيم محمولًا بمركب صوب العنقاء!..
تابع: فالمشاهدة خص بالإنسان وحده. هذا الكائن الذي انتظرت المخلوقات طويلًا حتى ظهر في أحسن تقويم. هذا الكائن الذي خص وحده أيضًا بالحرية والاختيار، لا بالضرورة كبقية المخلوقات، طالما منح العقل هذا الجوهر الإلهي الذي لايضل )) .
و:
(( فالإنسان بعقله المقبوس حصل في الوجود على مرتبة العنصر الفذ ) )!!..
عدت ولفظت مندهشًا: (( المشاهدة دون حجاب ) ).
أجابني وافتر مبسمه (( نقل عن أحدهم وله من أمر الله عاصم سأظل أجاهد حتى يرفع الحجاب.... ) ).
فالحجاب اعتبره ذلًا له!...
أأبقى في صحارى التيهان حاملًا بوصلتي؟...
وتطرق أذني (( وصوفي آخر قصر رفع الحجاب على صاحب السر ) )...
- (( كشف الستر الحجاب ) )يكون لغلبة السر )) .
ثم شرح لي ما تداعى له من مدخراته ذاكرته التنسكية. وأنا ما زلت فاغرًا فمي، كأنني تلميذ صغير، أمام معلم كبير.
أسهب في حديث التنسك الهندي، وبخاصة منه (المذهب البرجي) ثم تناول أصحاب الشطح والمواجد، المتدفقين بمجاهداتهم الروحية.
وأسمعه بحماسة: (( ياللتلذذ بالمعرفة التوحيدية، وحلاوة الترقي بالماهية، من مقام إلى مقام، في الهيئة -الحضور؛ حتى ذاك الوصول المنشود... ) ).
وكَرَزَ كأنه يتلو درسًا ليحفظه غيبًا (( بالمعرفة الإشراقية السامية، يسدّ المجاهد جوعه إلى الحق، إلى المشاهدة ) )... )) .