فهرس الكتاب
تركته يتكلم وحده في المعرفة الإشراقية هذه وكشفها. وتساءلت في نفسي كيف سأتدبر أمري إذا ما أطنب، في وحي فيضه؟....
ومطارق حديدية أخرى تفجر الدماغ.... (( ما الوحي إلا نور يطلقه الله في القلب ) ).
ثم أوضح كيف سيحل في قلب المجاهد ما يسمى بالعشق الإلهي. وتتولّد فيه حرارة لهب الحرائق الوجدانية
وتراني: أأنصرف؟
أم أصبر؟
- (( الصبر شيمة مفضلة، وفاضلة ) )!
إذن فلتطرق مسامعي تحليلاته لوظيفة (( القلب ) )، لدى المجاهد، في خلق المعرفة الحدسية... وركز عليَّ كتلميذ حقيقي عنده يشرح كيف يتعامل القلب نفسه مع الأسرار القابعة فيما وراء حروف الكلمات، وفيما وراء العقل أيضًا، بوساطة لغة شفافة: تعرف بالذوق أو بالكشف.
حقيقة من ينظر إليه وهو يتكلم بهذه الغزارة. وبهذه المصطلحات التخصصية.يظن أنه يستمع إلى أستاذ جامعي ملتزم بالعلم (( الصوفي ) )!.
ووجدتني، تلقائيًا، في حوار:
-كيف يتم كل ما ذكرته؟...
-بالكفاح الخلاصي المؤدي إلى الصفاء النفسي والطهر الوجداني.
-وماذا بعد؟...
-ينبثق في قلب السالك نور شعشاني يخمد الظلمة التي تتمركز في كثافة المادة-الجسد.
-ثم...؟..
-ثم تخمد القوى الدافعة للشهوات والغرائز البهيمية.
-والنتيجة؟.
-يصبح الإنسان السالك -بعد ذلك- ذوبًا خالصًا من الطهر والبراءة والنقاوة.
-..../صمت.
ولكن ليته يتركني بصمتي.
لا.
بعد أن استرد أنفاسه، نترني سؤالًا، بصوت عال كأن امتشقه سيفًا من غضب:
-ألم تسمع بثنائية اللطيف والكثيف؟..
حقيقة للصبر حدود!...
-هل أنا فيلسوف مثلك؟...
انحمق وادلهمّ وجهه: (( أنا لست فيلسوفًا. بل أنا تلميذ فحسب ) ).
ثم تنهد وتابع: (( لقد قرأت(أفلاطون) ، والصراع بين النور والظلمة-اللطيف والكثيف ))في الوجود الإنساني...؟ )) . وسكت.
لم أجب. بقيت مكفهر الوجه أمام غزارة ثقافة نوعية....
عاد وابتسم لي تخفيفًا عما كنت أعانيه.قال: عند أفلاطون، يعود الإنسان إلى أصله، بعد هذا الكفاح المرير، بين ذينك العنصرين.... )) .
نعم، نعم أرى لا حيلة لي معه، فقد استطاب له فيض الكلام: (( أصل الإنسان روح لطيف. حبس في بدن كثيف ولا ينجو ويتحرر من سيطرة هذا البدن إلا باتباع سلوك عصامي، وتوّجد صارم في العشق - (( الإلهي ) )-السامي-... فينفتح له اللون الأزرق.
ثم يتصل بالعالم الأكبر، ويصل إلى الغاية القصوى وهي الجوهر، في قضية السالكين....
ولم يكمل مشافهة. بل أكمل تمتمة داخلية ظنًا منه أنني على الرغم من محدوديتي أعرف مافي نفسه.