فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 1574

ثم أمعن النظر أمامه، بعد أن أسند رأسه الذي ثقل بأصابع يديه وجمد يتأمل كعادته.

أأغادر القصر دون إذن؟...

بعد برهة انتفض بجسمه وراح يكردح في الممر. تمتم شيئًا ما. ثم أعلن:

- (( استظهر شروحات أفلاطون عن مقولاته.... ) ).

توقف.

استدرك كمن يفطن: و (( هيجل ) )المعروف اقتبس عن مقولات أفلاطون نظريته المثالية: (( الإيديال ) ). من أجل تثبيت نظرية أفلاطون الداعية إلى الزهد بهذا الكوكب وجسده، والعودة إلى ما بعد اللون الأزرق وروحه )) .

جاس على أريكته.وحدق إلي: (( أنا صرعتها ) ).

ماذا يقول؟ وماذا يعني؟ أنا لست مثله. لا أعلم ما يدور في البال خفية وتضمينًا.

- (( صرعت من يا سعيد ) ).

- (( صرعت ظالمتي، قهرتها. قهرت (( أنا ) )لقد وزعت كل ما ورثته عن آبائي وأجدادي من أرزاق وأطيان، وأملاك ثابتة ومنقولة، على المحتاجين والمعدمين العاملين فيها.... )) . وسرد بقية توزيعاته: الأبنية والأقبية. وقرى الأرياف بكاملها على سكانها من المرابعين. و فجرت عيني على وسعهما. وقلت في نفسي: هذا السلوك الصارم، لا يصدر إلا عن أقوى النساك.

افترت شفتاه، بابتسامة مدغومة بالكلام: (( هذه عبادة ميدانية. زهادة واقعية، صوفية تطبيقية ) ).

وضحكنا معًا.ثم ثبتت عيوننا في وجهينا، هو أخذ يتأمل. وأنا أخذت أسرح. فكرت: رجل فريد عصره. نسيج وحده. يتحد في شخصه، القول بالعمل المبدأ بالسلوك. مثالية فائقة تسطع كالشمس في تطبيق العدالة الاجتماعية. كما يقال في عالم التنظير بالصحف والكتب والمجلات. انسلاخ تام عن الذات، عن الأنا....

- (( الشريرة ) ). قاطع تفكيري ونطق هذه الصفة، وسكت. رفعت رأسي بعد قليل. وجدته محملقًا بنظرة صب بها عينيه على هلام مشوش في الهواء، مادًا سبابته نحو الجدار.

وهكذا وجدتني في بهو فخم أنيق.فيه طاولة مكتب. عليها قراطيس وأقلام، وبجانبها خزانة ذات رفوف مملوءة بالمصنفات والأضابير. ثم أعلن أهمية النضال الاجتماعي، في السلك الزهدي، عن طريق التنظيم الحزبي. (( لدى حزب سياسي، أعارض به الحكومة. وأقاوم السلطة لوقف نهب الثروات العامة... ) ).

(-أستاذي سعيد. عدد(( جريدة ) )الأنباء جاهز إلا مقال الافتتاحية.

-البارحة سهرت مع العرائض والشكاوي يا محرر أحمد. سأكتبه بعد قليل.

-ما هذه الافتتاحية الصاروخية يا نائب سعيد؟.. نسفت بها كل أساسات الحكومة، والرئاسة، والوزارة و....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت