فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 1574

في خلوته، في غرفة الجمجمة، عاد يكرز بقاموسه المعروف، عن الحياة الأخرى. التي قدّم لها كل تبرير. بعد تلك الفظائع التي شاهدناها من شرفة القصر. (( على الإنسان أن يربأ بنفسه، ويترفع، ويرتفع أيضًا نحو ذاك اللون. فهو الأبقى، وهو الأسعد. زرقة السماء ولا رمادية الأرض. ماهية الروح ولا مادية الجسم.... ) )

نطقت: (( الأنا ) ).

ابتسم هذه المرة، لفطنتي. وعاد يعزف على وترها:

ـ (( الأنا ما هي، بحقيقة وجودها، إلا علقة في أولها. وجيفة في آخرها...

أتستحق من الإنسان العاقل أن يخضع لأوامرها ويتعلّق بشهواتها غباء ما بعده غباء!.... )) !

(( آه... يا لذاك العالم الآخر ) )!

وطفت بأجنحة غير مرئية مغمورًا برفيف لحظات سحرية، حتى خيلت وأنا أنهض واحتضن الهواء بذراعي أنني قد امحيت بالبتة....

وغبتُ.

وجدته جالسًا في الغرفة نفسها، دون أن ترمش له عين، أو يرف له جفن: اندماج تام في (( التأمل ) ). ترك عالم الأرض الميؤوس. وغاب في بلهنية مشهديته التي يعيشها بكل حواسه وجوارحه الآن. احترت طالما لا قدرة لي على المشاركة في هذا السبات النوعي، فلأذكره بقولته السابقة: ولم الخوف؟

ولكن أراني بحاجة إلى أن أضع يدي على جبهتي وأخفي وجهي. تركت جسدي يتهالك على البساط بجانبه. أغمضتُ عيني. بدأ قلبي يتسارع بدقاته. أمسكت به وألقيت كلماتي:

(( كنت تعلمت منك أن الحياة في هذه الحياة الدنيا، مسؤولية... والإنسان فيها كناية عن رسالة ) )

حملق فيّ. وحرك رأسه: (( صح. صح ) )

ثم طامن نحو الأرض:

ـ (( الحق معك يا عمي ولكن لا تنسَ أن ذلك يكون وسيلة للحياة الثانية. الحياة الباقية في الهدف المنشود للإنسان ككل ) ).

بعد هذا تجرأت في مغامرتي معه، كان قد خف (ضغطي) : من قام بتوزيع أملاكه وطبق النظام الذي ينادي به على نفسه يظل مرفوع الجبين. بل (( شيخ المتصوفين ) )

وابتسمت.

جاراني بالابتسام. ورفع يده لأكف عن هذا الكلام ثم ناولني ورقة من مذكراته الشخصية. قرأت فيها جانبًا من اعتراضات والدته: (( يا ولدي سعيد، هذه أملاك آبائك وأجدادك. كانت لهم سلطة ووجاهة. وهذا قصرهم يشهد بذلك... أسرتك الهاربة في ذهنك، توارثت الزعامة والحكم، في هذه المنطقة، منذ أجيال وأجيال. أتعبث بها وبأملاكها؟ هذا جنون! جنون! بل الجنون الأكبر أن تأخذ أموال الريوع وتوزعها على الفقراء هنا، والشحاذين في بلاد الهند ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت