فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 1574

تراه علم ما فكرت به وأجاب. بل تابع: كلنا في هذه الدنيا يفنى ويندثر. فالمخلوق فيها يحمل بذور فنائه في داخله. يأكل جسم الإنسان دوده مثلًا... )) . وأخذ يشرح عن الروح الخالدة وبخلودها تدوم السيرورة في الصعود تلبية لنداء ما بعد اللون الأزرق )) . وأشار بيده إلى ما فوق رأسه مؤكدًا أن الإنسان يجيء إلى هذا العالم وهو يحمل معه (( قضيته العليا ) ).

ماذا ينطق فغرت فمي كلام يعجم علي! ما حيلتي فيما جردت إليه نفسي بهذه (( الرفقة ) )؟ أنى لي أن أعي ما يفيض من ماء نفسه النقية الصافية. لغةً عذراء في أجمل الكلم!

عندما عدت وأثبتُّ نظري جيدًا. رأيته جالسًا على كرسي خشبي. قد تدلت على صدره عقدته كذيل حصان. أسند تاج خده الأيسر. بأصابعه كالعادة. هو في فترة التأمل. ولا أدري كيف عدل من وضع جلسته، بعد أن لمع في فكري خاطر. قال: (( المكان ليس مهمًا في اللقاء كما تعلم ـ جاملني ـ المهم بل الأهم هو مضمونه ) )!

أشرقت في ذهني كلمة الجوهر.

صاحب عفوًا بصوت مرتفع: مرحى.. مرحى!

ابتسمت لنفسي كتلميذ (( شاطر ) )يستظهر درسه جيدًا أمام معلمه. نظر في وجهي كمن يقرأ الوجوه في قسماتها وملامحها. ثم أشار بيده إلى الجمجمة وانبسطت أساريره شوقًا ولهفة. حسبت نفسي أني اندغمت. أو تلاشيت في فضاء يمرح بعنادله القادمة.

ـ أشار أيضًا بيده إلى الأعلى إلى اللون الأزرق ـ أراني امتلأت بهجة وغبطة ألا أعذر؟ مقابلته حياة بل حياة من نوع آخر! عاد إلى الكلام:

ـ (( هذه وظيفتها ـ أومأ إلى الجمجمة، مرة ثانية ـ أن تذكّر بمصير الإنسان في هذا العالم الأرضي... ) ).

نهض وجلس على سجادته الصغيرة العتيقة وقبل أن يباشر في ممارسة العبادة، ويرتقي درج عالمه. ويعرج في فضاءات تمارينه الروحية بـ (( اليوغا ) ). قال:

ـ (( يقبع في أغوار أعماق الإنسان حزن قديم قديم. مازال يرافقه عبر أجيال وأجيال منذ سحيق الأزمان. تراه يحن به دومًا إلى حياته الأولى. حياته البدء حين كان يعيش مع الله. روحًا بريئًا نظيفًا، لا يعرف الدنس... ثم طغاه الشيطان الجسد فانصاع له وهبط على هذه ) )!

حين سكت أخذني الخجل. الجلسة من جانب واحد تعقد يجب أن يبغم لساني:

(( إذن يا سعيد هذا هو السر في حزن الإنسان الأبدي ) ).

انشرح صدره:

ـ (( طوبى لك ) )...

أنا ذهلت بابتهاجه هذا!

ثم: شرع بطقوسه المشفوعة بتمارين (اليوغا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت