فهرس الكتاب
جميل ما حدث في هذا الصباح! وكأنني صرت أستيقظ في هذه الأيام لأكتشف العالم من جديد. لا أريد العودة إلى (( حلقتي الضائعة ) ). المهم أنني حين مررت بعيني على عالم صباحي هذا. كانت التضاريس المنبسطة تمتد بساطًا حواريًا، إلى ما بعد الأفق اللازوردي. حيث تلتهب كتل الضياء فتمزق بسهامها المتلامعة جبهة الفضاء... فها هي ذي بيداء (الربدة) .
وهاهو ذا.
بلى حين تدحرجت عيناي (( عليه ) )ظهر في قميصه البدوي. يرتدي عباءته الصوفية، وقباءه الخلق، وعمامته الخضراء. كمن اتخذ له مهمة محقب لحركة الحياة في البادية.
هل اعتزل حياة الحضر بالكلية؟ لا، مازال يكمي في أغواره سرًّا حادًا كالصراط. يعانق به الكون. ويقارع به الغلاة الطغاة.
ولكن، هو الآن، في هذا المتسع الحواري، من الأرض، يأخذ قسطه من الراحة بعد أن تنقل بـ قميصه ضمن قافلة الزمان والمكان. من المعبد إلى القصر إلى السفح. ثم إلى هذه البادية البيداء! إنه كالذي يتحرك عبر الكواكب والمجرات. وبسرعة ذراري الأثير. (( اللهم احرس عقلي ثانية، في صحبته العجيبة، التي تفوق الأساطير ) ).
تكلم شخصٌ سرًّا في إيهابي.
فاجأني أية ريح حملتك إلى هنا؟
ـ (( أنت.... ) )؟
ـ (( هو سوف يكونني. وأنا كنته. فالشخص واحد. والأشكال مختلفة كما هي الأزمنة والأمكنة و ) )
ثم سكت ومَرَزَ شاربه ولحيته بأنامله.
عندما أثبتُ عيني. بدا لي ذا ملامح مرهقة وملفوحة. تابع:
ـ (( مازلت في هذه البادية. حيث العجاج وسفسفة الرمال.... ) ).
زفر هواء ساخنًا. كانت قد هبت، أيضًا نسمة هواء فاترة. من تلك النسائم التي تقدمها البادية في مطلع النهار. ثم: الربدة، هذه الأرض الملتهبة. كانت جنة خضراء، في العهود القديمة كان يمر نهر من هنا، وسط غابات كثيفة، ثم احتبطت الأشجار وجف النهر وقحلت الأرض. واندثرت الحياة ومات كل شيء.
ـ (( السبب ) )
لم يرد. بل بلع ريقه حسرة وحزنًا.
ثم انسلت كلمة أخرى على لساني: (( وغفار ) )
أجاب بمرارة وقلبه يحترق ألمًا:
ـ (( أنا مع الحق والعدل والقسطاس، في البادية وفي المدينة وأينما كنت. ولست مع القبيلة والعشيرة ) ).
ـ (( طيب متى ستعود إلى قمة جبلك ) )؟
ـ (( القمم ليست في تضاريس الأرض. بل في الروح والنفس. كنت قد قلت لك هذا ) ).
وبعد أن تأوه:
ـ (( ليتها ظلت رعوية... أهل المدن ـ. أهل الحضر ـ جشعون وزادهم طمعًا وابتزازًا صك النقود وسيطرة الذهب. ترى كل واحد منهم قد اندلقت بطنه أمامه منتفخة كأن حشيت بشرور العالم...