فهرس الكتاب
ولكن مازالت العباءة القميئة تدف على جانبيه كمروحتين. لا يهم. يبقى ذلك الوجه، هو القاسم المشترك بين سائر الأقمصة. الإنسان بوجهه. أحد الفلاسفة المبدعين قّيم الإنسان في الشكل وجها فحسب!
إذن هذا الوجه وجهه إلا ما لوحته الشمس وحرارة الرمضاء. فاجأني: (( لم أذهب إلى قصر الرابية. فقد حنّت روحي إلى البادية. ورؤية قطعان الأيائل والغزلان و...
ثمَّ قال: (( الصحراء عندي وردة ) ).
ورنّ في أذني صوتٌ لا أدري من أين أتى؟
(( وأنت أغنية ) ).
ابتسم: (( شكرًا ) ).
وقطع ابتسامتي المقابلة: (( هاهم جاؤوا ) ).
نظرت حيثما ذهب. سمعت صوته ينثال على القوم الذين كانوا قد هرعوا إليه من جهات بعيدة. كأنهم كانوا جميعًا على موعد.
حدّثهم طويلًا وحدثوه...
يا للمحبة! كان الكلام حلوًا. والأفكار جميلة، والنطق عذبًا.
ميّزت صوته من بين أصواتهم بنغمته الخاصة، كغنة صادرة عن ظبي في الفلاة. ينثر بها السحر والبهجة والأمل. فها هو ذا يدور عليهم كفراشة تزرع بأجنحتها روعة الزرقة. وألوان الفرح.
تقدمتُ.
ولكن لم أعتد الجلوس مع فئة المريدين هذه. واظبت على مقابلته وحده.
بعد أن انفضّ القوم. قال: (( أنت لم تلن بعد ) ).
تجاهلت ما رمى إليه من نقاط ضعفي: (أنا مستعد أن أكون ذا همة منذ الآن فصاعدًا ) ) .
حقيقة تكلمت، وكان الشك كحريق يركض في أوردتي أيطفئه هو؟ أدار رأسه ولا أعلم إن همهم بكلام. أو ردّد الهواء ضحكة؟
تبعته إلى حيث جلس:
ـ (( استعد للتدريب على اليقين، والإرادة ذلك يقود (( المريد ) )إلى قوة الإيمان... )) / وسكت
بعد أن امتلأت عيناه برؤية الفجاج والخيمة وسديم الشعاع، استأنف: (( ثمَّة من يسقط عن جرف هاوٍ، ويكون كطائر سقط بجناحين، بفضل كرامة إيمانه ) )!
ـ (( تصوّر بقوة إيمانٍ كهذه، كيف سيقاوم هؤلاء المستضعفون عتاة الأمة وطغاتها ) )
وخلال فترة الصمت التي سنحت راجعت نواياي. وجدتنيها غير نقية ولا صالحة تمامًا ما زالت الريبة تضللني، وتصيب من يقيني مقتلًا. متى أخرج من زيفي؟ أو زيفي يخرج مني؟
زفرت نفسًا وشهقت بدلًا عنه بسرعة. شكرًا لعنادي، لولا هذا الأخير لانقطعتَ عنه بالبتة
تلاحق الصمت بفترة أخرى.
رأيته مطرقًا بانحناء كمن يسجد. ثمَّة أدعية وصلوات، يتلوها في قلبه. ليته يخصّني بشيء منها... ثمَّ شعرت قد تغيرت أحوالي الداخلية والخارجية معًا. حتمًا لبّى رجائي وتكلم شيئًا مقدسًا من أجلي.