فهرس الكتاب
هَهْ..! أراني قد ازداد ابتهاجي، وصرت كمن دخل جنة عذبة مزهرة بالأحلام والمنى.
أطياف برّاقة تلامعت مشعشعة، في عيني الداخلتين. وتتالت متلاحقة متتابعة.
ـ (( هكذا يظهر الصالحون.... ) ). قال وابتسم لي.
وأنا مطرق، سيل قادم دبّ من ذكرياتٍ، لا علم لي بها في حياتي. عال! وجميل! أجدني أشاهد نفسي منخرطًا في حلقتهم، أنعم بخيالاتهم ورؤاهم الرائعة!
لحظات فردوسية زاهية، قضيتها في صحبة هؤلاء الصالحين، خلال رحلتي الذهنية هذه. ولا أدري كيف نطق لساني طبعا"ً دون شعور مني: (( صرت مستعـ... ) )ولم أكمل.. فطنت وتوقفت. أنا ما زلت استعد بوساطة، حتّى الآن، لا بقواي الشخصية. هذه هي مكنتي (( المريدية ) ). يجب ألاّ أورّط نفسي بتعهد، أمام رجل يحصي عليّ أفكاري وتمتمات خلدي، قبل أن تنبت الكلمة على لساني. وها هو ذا ـ حقيقة ـ يغشاني بصوته الندي ويملًا عتمة نفسي بالضوء:"
ـ (( لا تيأس... ) ).
ممتاز دومًا يكرز بالأمل. لا يريد أن يستوطنني. الحزن واليأس، ويغطي قلبي رماد الدنيا. ثمَّ زفر نفسًا ولهج: (( ثمَّة نداء ) )! وأطرق ثانية.
كانت قد تسامت فوق رأسينا زرقة غامقة مخضّبة بنجيع الكون.
أنهض رأسه: (( أشعر أن شيئًا ما يؤلمني... ) )/ سكت
ثمَّ:
ـ (( ... حتّى فضاء الربدة هذا يضيق بروحي ) ). / حتمًا حَنَّ إلى جهاده. حيث تتزاحم الأقدام مع جماعته في المدينة.
بدوري شعرت أن روحي أخذت تتسرب بين يديه وأذوب إشفاقًا.
ـ (( تراودني إرادة قوية في الانطلاق. من حبسي في جسمي وحبسي في منفاي الربدة... ) )
سَكَتَ وقد تكومت غيمة قهر على سحنته
شاركته في مشاعره (( النضالية ) )هذه: (( هذه هي رسالة الدعوة. ودعوة الرسالة ) ).
أجاب: (( عفوًا أعتذر. أحيانًا أشعر أنني أقبع هنا في زنزانة حرشاء لهذا تراني، صار ضعفي يستعجل أموري. وما نهدت له نفسي ) ).
أثبتُّ عيني على وجهه. عاد إلى طبيعته صافيًا.
من جهتي عدت أنكست رأسي، ولبثت لحظاتٍ في ذهني، أستعيد كلماته. ثم اعتدلت بجلستي.
رمقني بعطف، وخفّ ضغط هيبته عني، يعني هدأت خواطري. فلملمت بقايا نفسي التي تشرذمت، وجاملته بنصف نظرة، كأنني صرت لا أجرؤ، على فتح عينيّ كاملتين. لا أدري، لماذا تغبأت بهذه الخشية أمامه كمن سيتعذب بجلدة عصّي؟
-(( أكرر عليك لا تيأس.. استمر..
(( الضعف يولد الضعف..
(( القوة تولد القوة..
(( تمسك دومًا بأملك، واجعل سيرة(جعد بن درهم) مثلك )).
تنهدت، كمن ينعر بسكين، في خاصرته... كدت أنطق..