فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 1574

ولكنه أشار بيده الكريمة إلى فمه: أن لا تتكلم، نظر إلى الأعلى، ثم طامن رأسه. حتمًا حلّ عليه نداء من مراتع ذلك اللون الأزرق، وهاهو ذا يغمض عينيه ويغيب..

افتر ثغر شوق، في وجهه. عبّر عن سروره، بلقائي بابتسامة. هذا أول الغيث.

- (( أسعد ) ). نطق اسمي.

صحوت على مهل. أعتقد أن هذه هي المرة الأولى، التي تتحرك فيها شفتاه باسمي. عاد وذكره ثانية، حين ناداني: (( أسعد، هل أنت سعيد )

أجبته ببطء، علني أدرك ما يقصد: (( بـ.. وجو... دك.. بل.. وجو.. دك... هو... الأ.... سعد... ) )!

ابتسم وعاد إلى لفظ الاسم (( سعيد، أسعد، الأسعد.. كلها (( واحد ) ). مهمة الاسم هي الدلالة الشخصية، فحسب هنا )) .

وأشار بيده إلى المكان حولنا وهو يعني الأرض كلها.

فكرت: صار له ميل خاص في فقه الأسماء!

- (( بلى، عدة حروف تجتمع وتلتحم فتشكل كلمة ذات معنى خاص يدل على هوية ما... ) ).

ثم أوضح: (( المعنى هو الغرض من حروف اللغة. ومن كل ما تولده هذه الحروف المحدودة، من كلمات لا حصر لها، تركيبًا وتوليفًا... ) ).

أنا ماذا أسمع؟

رجع إليّ طيشي السابق هل عاد في قميصه هذا يثقل عليّ (( العيار )

وتعالوا حللوا معي ما تابعته. كأنه يلقي محاضرة في مدرج جامعة:

(( فالمعنى جوهر واحد. وأما الكلمة فبحروفها فقط. أو الحروف بكلمتها. فهي تنتقل من معنى إلى آخر. أي من هوية إلى أخرى.. يعني في الإنسان من نفس بشرية إلى نفس بشرية ثانية. فبهذه الحروف المحصورة بعددها المحدود، سجلت بها ملايين ملايين الهويات. على مر الدهور والسنين.. بعد أن تشخصت في الأجسام.. ) )

هكذا استمر يتدفق، بأفكاره ومعانيه التي طغت، فيها، الصفة العمومية على الصفة الخصوصية.. ناهيك عن الغموض والإبهام!

ولكن لله الحمد. بعد هذا (( الاجتهاد ) ). ساد بيننا الصمت وراح يعزف موسيقى من (( التأمل ) )، لا أعذب. ولا أسمى. شعرت أن روحي تأودت بمفاتن داخلية، لا يعلم جمالها إلا الله وحده!

هو على إيقاع هذا الصمت لا أدري أين حلق؟

غير أنه بعد برهة، رفع رأسه وابتسم: (( أتدري أين كنت )

فجرت عيني بوحشية. لم أر أن قدميه تناوبتا على نقل جسمه. فكيف يسألني..

-(( كنت أبحث عن هويتي، فلم أجدها فتشت قميصي هذا. وكل الأمكنة حولي. جبت السفوح والهضاب. وبطون الأودية. فلم أعثر عليها. أين اختفت؟ أين غادرت لا أدري...؟!

حركت لساني، في حضور سياحته الفكرية ونطقت:

- (( لقد سبقتك. ولم تعد تلتحق بها ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت