فهرس الكتاب
وجمعت وانكمشت، كمن يغلغله خجل أبدي: أيكون اسمي (( أسعد ) )بصيغة التفضيل، واسمه (( سعيد ) )؟ /قال:
- (( ليس المهم الاشتقاق في (( المباراة ) ). بل أن نصل بالاشتقاق إلى السعادة الحقيقية ))
- (( ... ) ). لم أجب بل حلّت علينا هالة جليلة من هالات الصمت. يا للبهاء الكوني الذي غمرني...!
وحين عدت. نظرت من قمة السفح -حيث مغارته-إلى الأعلى هذه المرة، متخلصًا من جذب (( ترابيني ) ). ولكن سُدَّ اللون الأزرق أمامي. كانت غيوم قد احتلت حجمًا واسعًا من الفضاء وادلهمت.
بدأت تهمي. زادت روحي انتشاء برائحة المطر.
نظرت حولي. كانت حباله تنسكب كالأمراس. وتزخ السفوح والمنبسطات زخًّا.
لي من حياتي السابقة مع المطر، ذكريات رفقة. ما يزال ينشرح لها صدري.
فكم بللني. وهو يغسل وجه الأرض والأشجار ويغمر المراعي بخيرات روائه العميم! وكم سعدت مواشيّ به وهي تقضم العشب المضمّخ بعبقه الخاص! بعد توقفه أضفى على السفح نداوة. وزهت خضرته.
وفل، يا للربيع!
التفت مبتهجًا نحو الشيخ سعيد. كان قد كست وجهه غلالة رحمانية. نطق:
- (( ابتهل إلى الله وسبّحه، عندما تتبرّج الطبيعة (( بمجوهراتها ) )
أجبت بوحي من عفويتي المعروفة:
- (( يا.. إن خير الأرض من خير السماء ) )!
شاعت في عيني مروج مزدهرة، وأنا أنقل قدمي في تلك السفوح.
غياض غناء قد اختصرت الفصول في جناتها واختمرت الطبيعة! ورؤى بديعة ومناظر خلاّبة تتالت أمامي وأنا أهبط اتجاه سهول الشاطئ: زرقة البحر تلتحم بزرقة السماء في تكوين (بانوراما) . لا أبهى! ولا أجمل! وعلى جانبيّ تميس الهضاب المنحدرة بأشجارها. بعد أن زهت بنباتاتها الخضراء.. ولتصغين إلى قصيدة تعزفها الأنسام العليلة على إيقاع عذب من سجع القمري ولحن اليمام.. لِمَ الملك؟ لِمَ السلطان؟ طالما خص بهذا النعيم، ناهيك عن النعيم الموعود.. آ....ه....!/ وكدت أجنح عنه بسرور حالم، لولا أن قفز ظليم من أمامي يركض. فكادت تقفز روحي خلفه وتقيه شر صياد يطارده.
وفي الحال. تذكرت. ونعم ما تذكرت، حين قفز من أمامه، هو أرنب. وجاءه ذاك النداء حنينًا علويًا من مظان الزرقة و..
ألا ليت اكتملت توبة روحي كما انتقلت توبة روحه، هو. أين قلبي من قلبه المبطن بالكنوز والأسرار؟
حين شاهدت طلّته البهية تقبل عليّ، لم تسعني هذه الأرض بكل خيراتها وجناتها وغياض ريفها.
هاهو ذا يقف أمامي كالقضاء والقدر.
ومجالسته؟