فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 1574

يا لمجالسته! لا تقدر متعة عذوبتها. طبعًا هي (( قصادي ) )في هذا اليوم. وأشعر من فرط بهجتي، أنني اختطفتها إلى الأرض من شرعة علوية..

لم يتحدث، إلي، ككل مرة، عن مباهيج الملك، ورفاه الإمارة مكتفيًا بقولته القنوع: (( ندائي هو كنزي ) ).

ثم أومأ إلى صدره: (( انظر كيف أقحل كنزي في هذه الحياة الدنيا ) )؟ رجل يعيش حلمه في عالم الزرقة بمخيّلته المشعّة. ناهيك عن أحاسيسه وجوارحه المشتعلة. صدّقت على كلامه:

- (( الكنز الحققي هو جوهرك لا صندوق الصدر العظمي ولا صندوق الذهب الذي تركت. ولا كرسي المملكة ) ).

ابتسم من كلامي. وصمت.

في هذه الأثناء ردت إليّ روحي، لهذه السماحة التي شملني بها. ولأستعذب الصمت. وأرفل بأحلام زاهية، ورؤى خضلة ملوّنة، في (( حرمته ) ). حقيقة أجدني أوكد دومًا أن للصمت معه طعمًا حلوًا كالشهد. وتبرق عيناي حين يخصّني بنعناع همسه. وتعبرني عظات وجواهر أفكار وسلوك فذّ لا يجارى!

وكدت أدخل في تيه عظيم. ولكن أُراني أعود وأكسر رهبة الصمت. وكأن عاد إليّ فضولي الزائد الأول. أو غبائي. لا أدري. المهم نطقت:

- (( أنت فريد سلكك في التضحية يا... ) ).

صرخة هدرت من فمه. مع غيمة كدرت وجهه المنّور: (( ماذا تقول تضحية؟ هذا حق وكفارة عن ذنوبي.. والملك الحقيقي هو الذي يملك نفسه لا الناس و.. ) )/وأبقى بقية الكلام في جوفه.

بعد حماسته رأيته كبالونه واعتكر إشفاقًا.

لكنه بعد قليل عاد وبشّ وجهه. وأضحى كمن يسكنه فرح منذ سنين.

أكد برويةٍ:

- (( الملك هو الذي يربح نفسه في الحياة الأولى، لا يخسرها ) ). تململ قليلًا وتورّك بجلسته وتابع:

- (( أخسر كل هذا العالم ولا أخسر نفسي ) ). وضحك كمهادنة منه لمعت أسنانه كلها كحبات لؤلؤ.

(("لماذا ) )؟"

هاهو ذا يقطع تفكيري، ويسألني. هتفت مبتسمًا، احترمت ماذا أجيب؟ شحوب باهت غطى وجهي. حسرة فرّخت في قلبي..

ثم نطقت بصوت غائب: (( ما زلت تلميذًا غير مجتهد ) ).

ضحك ثانية، نهض واستلقى على حشّية مهترئة وأخذ يشرح عن أماني هذا العالم وأنها مقتولة سلفًا بالموت.. (( ومن يطلب من عالم الفناء -العدم -أماني.../؟ وسكت.

عادت إلي سليقتي وأنطقتني: (( عالم البقاء هو الأبقى ) ).

- (( صح. صح هذا سلك ذي العقل السليم.. ) ). ثم سكت ثانية.

هاهو ذا يتكور أمامي كشيخ قديم. ويغيب عن حضوره. في جلسة (( قنوت ) )مأنوسة، قرّت في أعماقه. وغرّدت مباهجها، في روحه، كضوء النجوم العالية، تعزف في جوّانيتها ألوانًا وألحانًا، وورودًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت