فهرس الكتاب
حتمًا عبرته قوافل الزمان، منذ البدء. إذا كان الله مع خلقه، كرب لهم، دون أن يُرى.
وكانت البركة، والخير والنعيم الذي ما بعده نعيم!
بعد برهة، شقّ هذا الكون الجليل بصرخة عظيمة. استفقت مذعورًا:
(( يا رب السماوات والأرضين والبقاء والفناء.. زدني يقينًا وإشراقًا وتلبية... ) )
ناسك، زاهد، بهذه المرتبة من العبادة، يدعو هذه الأدعية. تذكرت ضآلتي ليتني أكون في تابعيتي له درويشًا من دراويش هذا العالم متسولًا بركاته.
-ثم:
هل ما يعبرني الآن ويتوهج في داخلي هو حقيقة؟ لقد أحسست أن كلماته السرية تسري في عروقي. وأجدني. قد انغمست في نفسٍ منشرحة. هل قبل ما كنت قد تعشمته، وسجل في صحائفي العلوية بعضًا من ابتهالاته؟ في الواقع بدأت أشعر، خلال بهاء سمته -القنوت. أن نورًا يشعّ في داخلي. قدّست في ضميري الله تعالى مرات ومرات. تلّمست سعادة وجودي.
كمن وجد وجوده من جديد.
هل شاركته، دون وعي مني في شيء من"شفافيته"؟
- (( انظر إلى أعلى. الزرقة، تحن على ناظريها ) ). نطق وقد أشرق وجهه كنهار. طبعًا، أجبت طلبه ونظرت. كانت السماء فوق تلك البطاح المخضوضرة صافية بزرقتها الغامقة و.. وأراني أقرأ في جبهة المشرق منها كلمة، أين منها أريج الزهر والنارنج والجلنار؟ كلمة (( سعيد ) ). كدت أتفجرّ فرحًا:
- (( هاهو ذا اسمك"اسمك، يا.. ) )/وصحت بكل قوة ذهولي. قبل أن يسكتني."
عيناه ابتلتا برقراق الدمع:
- (( لا تقل ذلك.. إياك تعلم أحدًا ) ).
أجل، يحرص على ألا يذهب من (( كرامته ) )هذه. شيء منها. إذا ما فشا أمرها بين الناس.
لا أنسى أنني كنت قد سمعت منه في إحدى (( نقلات قميصه ) )أن قيمة (( الكرامة ) )الربانية، تنقص في الحياة الثانية بمقدار ما يأخذ صاحبها منها في الحياة الأولى.
- (( نعم أوكد أنه تبقى كرامتي تامة وتوبتي كاملة عند ربّ العالمين ) ).
وأوراني أسمع نفسي نفسها: (( الكرامة في الدنيا خسارة في الآخرة ) )!
نظرت. كان أمامي البحر. وكان الفجر بنفسجيًا حالمًا، قد توضّع فوق صفحته، ورنين تسبيحة نهر قريب يسجد بين يدي الله..
أراني قد ذابت نفسي في تعاذب الطريق ومشاهد الطبيعة البديعة. المكان جد مشبع بالرحمانية والجمال!
وهاهو ذا يقبل هاشًا باشًا: (( مرحبًا بك، يا أسعد ) ). هل أنا قادم إليه من جديد؟
ماذا جرى للوعي عندي؟ أأنا ملك ذهني وتحت تصرفه المطلق الشرعي؟ أم هو ملكي، وتحت تصرفي الشخصي؟
أطلب من لدن العناية الإلهية القوة على هذه المكابدة.