فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 1574

كان مرتديًا جبة من الصوف. تكلل رأسه عمامة مشرقة. تلمع عن بعد كقمة جبل. قادني إلى مأواه -المغارة -وجلسنا. لم أذكّره هذه المرة، بإمارته التي ترك. ولا بالأكل الذي كان يتأدم.

بل أردت أن أطلع على جديد (( سلكه ) ). بينما هو أكمل ما أدرته في بالي، بعد أن نهض وجلس بجانبي:

- (( الأكل وسيلة وظيفتها إدامة جريان الدم في العروق.. ) )

- (( انتبه. وسيلة لا غاية ) ). /وشدّد على الكلمة الأولى.

ثم طفق يتحدث عن حياة زهده، التي التزم.، بعد استقباله ذلك النداء الذي أتاه من غوامض اللون الأزرق...

ولا أدري، كيف نطقت حين توقف: (( تركت كل ما تملك ) ).

حدّق إليّ: (( عدت إلى كل ما أملك ) ).

- (( كيف )

- (( حب الله، وطاعته. وهذا أثمن ملك في الدنيا، وفي الآخرة معًا ) ).

حقيقة كان سعيدًا في عزلته، وسياحته في سفوح الجبال المطلّة على زرقة البحر، التي تضاعفت بزرقة السماء. وكأن العالم كله اصطبغ بهذا اللون الحميم..

طلب مني أن أسكت في نفسي. ثم أطرق أمامه مطبقًا جفونه.

تراه أخذ يبث مناجاته عبر (( لونه الأزرق ) )..

خلال الصمت الذي خيّم، شعرت كأني موسيقى كونية حلت علينا قادمة من مجرات بعيدة..

ثم قبل حلول الشفق، تجولنا في السفوح المعشوشبة المنحدرة نحو الساحل بسقوط كالشاقول.

شاهدنا أشجار اللوز البري والجميز والبطم والخرنوب، (( الخرنوب يعطي الدبس، وهو طعام جيد ومفيد. واللوز يعطي الزيت وهذا نافع ويشفي الجسم من علله..

- (( الأكل من ثمار الأشجار البرية، ومن خيرات الطبيعة البكر حلال، حلال كالماء الزلال ) ).

بعد أن لهج نفسه المتعب: (( ولا تنس العنب فشجرته مباركة وكريمة، وسميت بالكرمة مشتقها من الكرم..

- (( وكذلك شجرة التين. وشجرة الزيتون.. ) )

أخذ رذاذ المطر يغشى وجهينا، انتعشنا به بعض الوقت. وتذكرت صحبتي الماضية معه.

عاد وقطع تفكيري انهماره الغزير، فوق رأسينا. وحين عدنا إلى المغارة. قال كمن فطن: (( في هذا المأوى، أنفرد بنفسي واعتزل العالم أو العالم يعتزلني في كهفي المنسي ) ).

ثم قصّ على حادثة النمرة وجرأتها:

-(( لما دخلت المغارة أول مرة. كنت قد وجدت فيها جراء نمرة. كانت هذه الجراء صغيرة بحجم جراء الكلاب. عطفتُ عليها وجمعتها. وحين عادت الأم وجدت باب المغارة مسدودًا بالحجارة.

ربضت أمامه باكية ذليلة -الولد غالٍ -رقَ قلبي لها فأزلت الحجارة وتركتها تدخل عليّ. ولجت الباب، وأخذت تنقل الجراء إلى مغارة أخرى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت