فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 1574

حين جالسته وجدته يختلف عن مظهره البدوي ذاك. وجدته رقيق الطبع شفيق الروح، رائق المزاج. من يقابله يحسب أنه سيفتح له قلبه مباشرة ويمكث في داخله. ولم لا فها هو ذا يمور مسحورًا بعالمه الغني المدهش، بما يستكشفه من مكنونه الزكي. ونقاوة طوية سريرته الصافية كحصاة فضة.

أخذني من يدي اليمنى. وافترشنا الرمل سجادة. (( هذه سجادة صلاتي ) ). ثم راح يحدثني كضيف حل عليه، من جديد، بلغة حارة كأنها أخذت من نارٍ عن نضاله في المدن والدولة في سبيل تحقيق عدالة الزكاة. وترسيخ الأركان، وسائر الفروض التكليفية وحسن تطبيقها حفاظًا على الدعوة.

ثم أراه قد انتقل إلى موضوع آخر كمن يفطن بشيء على حين غرة: (( كيف أنت والماضي الذي تركت )

يجب أن أحافظ على وتيرة تقدمي كتلميذ. وأخفي تراجعي وهزائمي الداخلية السابقة فنطقت بحسارة: (( حصل خير ) ).

ازداد بهاء وجهه. (( سأحافظ على مأمولي بك لأن الإنسان لا يمكنه التخلص من الماضي بسهولة، وبالبتة ) ). ثم أوضح حتمية بقاء شيء ما من الماضي ملتصقًا عالقًا في نفس الإنسان قابعًا في أغواره. فيدخل في حياته العامة والخاصة ويؤثر فيها كجزء رئيس. ليترك بالتالي أثره في شخصه ككل، سلوكًا ووجودًا...

ماذا يقصد (شيخي ـ معلمي) من هذا (( الدرس ) )؟ هل كشفني؟ أم ماذا وراء الأكمة؟/ تساءلت، وتبدّلت ملامح وجه.

هز متنه واستطرد في تحليل شخصية الإنسان (( الاستثناء ) )إنسان الإرادة. ثم إنسان النداء. المغمور بالحنين الأزرق. (( هذه مرتبة أخيرة في سلم ترقية الإنسان المريد، الذي يتخطى الحواجز. المعترضة بتربية (( سلكية ) ) (( إذن الماضي لدى هذا الإنسان محوَّل إلى تصعيد سلكي. كرياضة روحية بحتة كجدل بين النفس والميول.... ) )

من جهتي، التفت حولي. متى يأتي جعد بن درهم وبقية الجماعة حتى أنفذ بريشي، حقيقة كادت تسيطر عليّ أوهام. وأستعملها من شدة الضغط.

ضحك من سؤالي الداخلي: (( رأيتهم في مهماتهم ) ). ثم تململ في جلسته وعاد إلى الماضي، كموضوع رئيس له في هذه المقابلة: (( الماضي قيمة سامية ينشدّ إليها الإنسان مشعشعًا بالغايات، فالماضي بحقيقته هو الأصل. فالإنسان في بداية حياته كان روحًا، لا مادة، في ذاك الزمان الماضي السحيق البعيد. وتراه يحن إليه. يحن إلى بدايته الأصلية ليكونها في زمنه القادم .

ثم ختم عزف نشيده الناري: (وهذا هو مفهوم الماضي الحق والسبب الجوهري في الحزن الحقيقي للإنسان ) ) . وصمت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت